في يوم الوفاء للمتقاعدين والمحاربين القدامى، تقف الكلمات على أعتاب الهيبة، ويغدو الحديث عن الرجال حديثَ قيمٍ ومآثر لا حديثَ أسماءٍ وألقاب. وفي هذا المقام يشرق ذكر المرحوم المغوار الصنديد مفلح محمد العميرات الكعابنة (أبو محمد)، أحد أولئك الذين اقترن اسمهم بالشرف، وارتبطت سيرتهم بمعاني الثبات والإقدام.
خدم في الحرس الملكي الأردني ضمن لواء الحسين، خدمةَ من أدرك أن الجندية عهدٌ وميثاق، وأن الوقوف في صف الوطن اصطفافٌ مع الحق والواجب. فكان في ميادين الشرف موضع ثقة، وفي ساعات العزم عنوانًا للبسالة، يُشار إليه بالبنان لما عُرف عنه من ثباتٍ ورباطة جأش، وصدق انتماء.
كان الوفاء عنده خُلُقًا مستقراً في النفس، لا يتزعزع بتقلّب الأيام، وكانت الشجاعة فيه سجيّةً راسخة، تنبع من يقينٍ عميق بأن الأوطان تصان برجالٍ يعرفون قدرها، ويؤدّون حقها في صمتٍ مهيب وعطاءٍ متواصل. فإذا حضر حضر الوقار، وإذا تكلّم تكلّم بصدقٍ يشهد له الفعل قبل القول.
ويوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين هو يوم استحضارٍ لمكارم الرجال، وتجديدٍ للعهد بأن تبقى سيرتهم مناراتٍ تهدي الأجيال. وفي سيرة أبي محمد صفحةٌ ناصعة من صفحات التضحية والإخلاص، سطّرها بعمله الدؤوب، وأمضاها بروحه الوثابة، حتى صار ذكره مقترنًا بمعاني العزيمة والوفاء.
نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يغفر له، ويجزيه عن وطنه خير الجزاء، وأن يرفع مقامه في عليين؛ فقد كان من البواسل الأوفياء الذين أدّوا الأمانة كما ينبغي، ومضوا تاركين أثرًا كريمًا وسيرةً عطرة تظل شاهدةً على معدن الرجال.