تعد شخصية سعيد المفتي واحدة من الركائز الأساسية التي قام عليها صرح الدولة الأردنية الحديثة، حيث مثل هذا الرجل نموذجاً فريداً للسياسي الذي يجمع بين الحكمة والنزاهة والقدرة على إدارة الأزمات في أكثر الفترات حرجاً من تاريخ المملكة. ولد المفتي في عام 1898 م، ونشأ في بيئة وطنية جعلت منه لاحقاً مرجعاً سياسياً ودستورياً لا يمكن تجاوزه.
مسيرة حافلة في رئاسة الحكومات :
دخل سعيد المفتي نادي رؤساء الوزراء من أوسع أبوابه، حيث كُلف بتشكيل الحكومة الأردنية في أربع مناسبات مختلفة، كانت كل واحدة منها تعكس حاجة الدولة لشخصية تحظى بإجماع وطني وقبول لدى جميع الأطراف.
بدأت رحلته مع رئاسة الوزراء في عام 1950 م، وهي الفترة التي أعقبت وحدة الضفتين ومواجهة التحديات السياسية والقانونية الناتجة عنها. ثم عاد لتشكيل حكومته الثانية في عام 1955 م، وهو العام الذي شهد مخاضاً سياسياً كبيراً في الشارع الأردني حول مسألة الأحلاف الدولية. ولم يتوقف عطاؤه عند ذلك، بل كُلف مرتين في عام 1956 م، مما يؤكد عمق الثقة التي كان يوليها له المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال.
رجل الدولة المتعدد المواهب :
لم تكن رئاسة الوزراء هي المحطة الوحيدة في حياة هذا السياسي المخضرم، فقد برع في العمل البرلماني من خلال رئاسته لمجلس الأعيان لعدة دورات، حيث كان يدير الجلسات بروح ديمقراطية عالية وخبرة قانونية واسعة. كما تنقل قبل ذلك بين حقائب وزارية سيادية كوزارة الداخلية والزراعة والمواصلات منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، مما منحه فهماً عميقاً وشاملاً لمؤسسات الدولة من الداخل.
مدرسة في الاعتدال والنزاهة :
ما ميز سعيد المفتي خلال مسيرته الطويلة التي امتدت حتى وفاته في عام 1989 م، هو نهجه المعتدل وقدرته الفائقة على احتواء المعارضة وتقريب وجهات النظر. كان المفتي يرى في التنوع الأردني مصدر قوة، وعمل بجد على تعزيز اللحمة الوطنية، فكان بيته مقصداً لكل من يبحث عن نصيحة صادقة أو حل لمعضلة سياسية.
ويذكر التاريخ الأردني للمفتي وقوفه الصلب إلى جانب القيادة الهاشمية في قرارات مصيرية، منها دعمه المطلق لقرار تعريب قيادة الجيش العربي في عام 1956 م، مؤكداً دائماً أن السيادة الوطنية هي الخط الأحمر الذي لا يمكن المساومة عليه.
لقد رحل سعيد المفتي تاركاً وراءه إرثاً سياسياً قائماً على الأخلاق والمبادئ، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة الأردنيين كواحد من بناة الدولة الذين قدموا مصلحة الوطن على كل اعتبار.