تزخر مناطق شمال الأردن بتراث إسلامي عريق يتجلّى في عدد من المساجد والحواضر العلمية التي ما تزال قائمة حتى اليوم ، شاهدةً على تعاقب العصور والحضارات . فمن عجلون إلى إربد والرمثا وجرش ، تشكّل هذه المعالم سجلًا حيًا للحياة الاجتماعية والثقافية ، حيث لم تكن مجرد أماكن للعبادة ، بل مراكز للعلم والتلاقي ونقطة انطلاق لعلماء ملؤوا طباق الأرض علماً وفقهاً ، خاصة في العصر المملوكي الذي ازدهرت فيه المنطقة كحلقة وصل استراتيجية بين القاهرة ودمشق .
عبقرية المكان وأثرها العلمي :
وصف القلقشندي في " صبح الأعشى " منطقة شمال الأردن ( نيابة عجلون وجند الأردن ) بأنها من أفضل البلاد الشامية ، تضم أرزاق جيش المسلمين ، وطريق الحج ، وممر التجار . هذا الاستقرار جعل من مساجدها ومدارسها بيئة جاذبة لطلبة العلم ، وارتبطت الحركة التعليمية فيها تاريخياً بدمشق ، حيث تخرج العديد من علمائها في مدارس دمشق الشهيرة ، وعادوا ليفيدوا أهل منطقتهم أو يتولوا مناصب القضاء والإفتاء في الحواضر الكبرى .
آل الباعوني : بيت العلم والأدب من جبال عجلون إلى حواضر الشام :
تُعد عائلة " الباعوني " من أبرز العائلات العلمية التي أنجبها شمال الأردن ، وتحديداً من بلدة باعون في محافظة عجلون . وقد انتقلت هذه العائلة إلى دمشق واستقرت فيها ، ليتصدر أبناؤها المشهد العلمي والقضائي والأدبي في العصر المملوكي ، حتى عُرفوا بـ " بيت الفصاحة والرياسة " . ومن أبرز معالم أثرهم في دمشق " القبة الباعونية " بمقبرة باب الصغير ، ومن أعلامهم :
1 ) عائشة الباعونية ( ت 922 هـ / 1517 م ) : ابنة القاضي يوسف الباعوني ، وهي واحدة من أشهر العالمات والأديبات والصوفيات في التاريخ الإسلامي ، فاقت الرجال في علمها وأدبها ، ولها ديوان " فيض الفضل " و " الفتح الحقي " ، وتُعد من أكثر النساء تأليفاً بالعربية قبل العصر الحديث .
2 ) يوسف بن أحمد الباعوني ( ت 880 هـ ) : قاضي قضاة الشام ، الذي عُرف بعدله وسعة علمه .
3 ) إبراهيم بن أحمد الباعوني ( ت 870 هـ ) : عالم وفقيه وأديب مفوه ، تولى خطابة الجامع الأموي بدمشق .
أعلام وفقهاء العصور الإسلامية والوسطى ( مرتبة زمنياً ومنطقياً ) :
1 ) يحيى بن يوسف بن صهر السلّمي الأربدي ( ت 616 هـ / 1219 م ) : إمام مقرئ بارع ، ارتحل لطلب العلم في بغداد ودمشق ، ويعد من كبار علماء القراءات في عصره .
2 ) أحمد بن موسى الزرعي الحبراصي : من بلدة " حبراص " القديمة ، وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر في بلاط السلطان الناصر محمد بن قلاوون .
3 ) أحمد بن محمد عبد الله العرجاني ( عاش بين 705 هـ و 780 هـ / 1305 - 1378 م ) : من عرجان ، اشتغل بعلم الحديث النبوي الشريف .
4 ) أحمد بن محمد العجلوني ( عاش بين 707 هـ و 781 هـ / 1307 - 1379 م ) : وهو أحمد بن محمد عبد الله بن سالم بن مكتوم العجلوني الأصل ، من بلدة عرجان واشتغل بالحديث .
5 ) فضل بن عيسى بن قنديل الحبراصي ( ت 735 هـ / 1334 م ) : عالم زاهد متعفف ، اشتهر ببراعته الفائقة في تعبير الرؤيا ، وأقام بالمدرسة المسمارية بدمشق .
6 ) حسين بن أحمد بن أبي بكر حرز الله الأربدي ( ت 1360 م ) : عالم بالفقه واللغة ، وكان عارفاً بالشروط ، وتولى منصب قاضي الحج .
7 ) قاسم بن محيسن ( أو محمد ) الإربدي ( ت 1362 م ) : أحد فقهاء زمانه المعتبرين من مدينة إربد .
8 ) علي بن زيادة الحبكي ( ت 1364 م ) : من قرية حبكا ، تولى التدريس في المدرسة المجاهدية ببغداد والمدرسة العادلية والفلكية بدمشق .
9 ) أحمد بن علي الرمثاوي الإربدي ( ت 1369 م ) : وشقيقه الشيخ حسن بن علي ، من الأعلام الذين تنقلوا بين الرمثا وإربد ودمشق لطلب العلم ونشره .
10 ) محمد بن عبد الله العرجاني ( ت 772 هـ / 1370 م ) : فقيه حنفي أخذ العلم في دمشق وحدّث فيها .
11 ) عز الدين بن عثمان السعدي الإربدي ( ولد 1370 م ) : من بلدة " كفر الماء " ، أحد الفقهاء الذين برزوا في التحصيل العلمي ونشر المعرفة .
12 ) أحمد بن سليمان الأربدي ( ت 1374 م ) : فقيه أصولي وخطيب بارع ، عُرف بلطفه وحسن خلقه ، وكان مرجعاً في الفقه والأدب .
13 ) أحمد بن راشد بن طرخان الملكاوي ( ت 1400 م ) : عالم ومفتي ومدرس وقاضي ( قاضي القضاة ) ، وُلد في ملكا ولُقب بفقيه الشام .
14 ) عبد الله ابن أبي عبد الله العرجاني ( ت 818 هـ / 1415 م ) : باشر أوقاف الجامع الأموي بدمشق ، وتوفي بالمدينة المنورة وهو قافل من الحج .
15 ) إبراهيم بن محمد العجلوني ( ت 825 هـ / 1422 م ) : وُلد في قرية لستب (
تعد قرية لستب في عجلون مهد النبي إلياس
عليه السلام وموطناً لأقدم مساجد الأردن الأثرية . جمعت القرية بين القداسة الدينية والمكانة العلمية ، حيث برزت كمركز حضاري خرج منه كبار العلماء والقضاة ، لتبقى شواهدها رمزاً لإرث تعليمي وتاريخي عريق )
، تولى قضاء صفد ودمشق ، وكان مدرساً في المدرسة الركنية .
16 ) محمد بن أحمد الكفيري العجلوني ( ت 831 هـ / 1427 م ) : شمس الدين أبو عبد الله ، عالم بالحديث ومفتي شافعي دمشقي المنشأ .
17 ) عبد الله بن خليل الرمثاوي ( ت 833 هـ / 1429 م ) : عالم فقه مسلم بصير بالعربية والكلام ، درّس بزاويته بالعقيبية بدمشق ، وصنف " تحفة المتهجد " بمكة .
18 ) يحيى بن عبد الله الأربدي ( 1466 - 1516 م ) : لُقب بالعالم الصالح ، ولد في إربد وتلقى العلم على يد مشايخ دمشق .
19 ) عبد الغني بن الجناب الجُمحي العجلوني ( 1468 - 1546 م ) : من قرية " جمحا " ، عُرف بزهده وتصوفه وكانت له كلمة مسموعة عند الحكام لرفع المظالم .
20 ) يوسف الدجاني الإربدي : من علماء القرن العاشر الهجري البارزين في شمال الأردن .
21 ) أحمد بن يحيى محي الدين الإيدوني ( ت 978 هـ / 1570 م ) : إمام وقارئ مجود في الجامع الأموي ، تعلم الفارسية ودرّس التفسير والفقه .
22 ) محمد بن يحيى نجم الدين الإيدوني ( ت 985 هـ / 1577 م ) : خطيب جوامع دمشق وعالم شافعي من إيدون .
23 ) أحمد بن أحمد بن محمد الإيدوني ( ت 998 هـ / 1589 م ) : اشتهر بحسن تلاوته للقرآن الكريم وقصده الناس لإمامته بدمشق .
24 ) إسماعيل بن محمد العجلوني ( الجراحي ) : المحدث الكبير صاحب كتاب " كشف الخفاء " ، كان بارعاً في الحديث والعربية .
إضاءات حول لقب " الطيبي " وعلماء بلدة الطيبة :
تُعد بلدة الطيبة في إربد من الحواضر التي عُرفت بـ " طيبة العلماء " ، وقد ارتبط هذا اللقب تاريخياً بشخصيات فذة :
1 ) الإمام شرف الدين الطيبي ( ت 743 هـ / 1342 م ) : صاحب " الكاشف عن حقائق السنن " ، وبالرغم من نسبته لبلدة الطيب بالعراق ، إلا أن فكره ومنهجه ظل حاضراً في حلقات العلم ببلاد الشام .
2 ) الشيخ عبد الرحمن الطيبي ( مفتي حوران ) : عالم فقيه ومفتي لمنطقة حوران التي تتبعها إربد والرمثا تاريخياً ، عُرف بتبحره في الفقه والفرائض في القرن العشرين .
3 ) علماء بلدة الطيبة المعاصرون : من عائلات القرعان ، العلاونة ، بني سلامة ، وبني عيسى ، والذين حمل بعضهم لقب " الطيبي الأردني " في الأزهر الشريف قديماً .
المؤسسات التعليمية والمساجد التاريخية في شمال الأردن :
تمثّل هذه المساجد سجلًا حيًا للحياة العلمية ، وتكشف عن خصائص معمارية تعتمد الحجر المحلي والانسجام مع البيئة :
1 ) مسجد عجلون الكبير : يعود تأسيسه للعصر الأيوبي ( القرن الثالث عشر ) ، مع إضافات مملوكية ، وهو مثال لاستمرارية التطور العمراني والعلمي .
2 ) مسجد إربد الكبير ( المسجد الصلاحي ) : يُعد من أقدم المعالم الدينية في المدينة ، حيث كان يُطلق عليه قديماً اسم " المسجد الصلاحي " نسبةً للقائد الناصر صلاح الدين الأيوبي . مثّل هذا المسجد مقراً رئيساً للعلماء والفقهاء ، وأُقيمت في أروقته حلقات العلم والدرس تحت إشراف نخبة من كبار المشايخ الذين ساهموا في نشر المعرفة الدينية والفقهية .
3 ) المسجد المملوكي الغربي بإربد ( مسجد أبي ذر الغفاري ) : شيد في عهد السلطان المؤيد شيخ المحمودي ( 1413 - 1421 م ) ، وظل لقرون مركزاً للتعليم والكتاتيب .
4 ) المساجد الريفية القديمة : مثل مساجد حبراص ، بيت راس ، كفرسوم ، تبنة ، ومساجد عبين ومعبلين في عجلون ، وهي نماذج للمساجد التي بُنيت بالحجر المحلي واحتفظت بطابعها التقليدي .
5 ) المسجد العمري في الرمثا : يحمل اسم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، في إشارة للذاكرة الإسلامية المرتبطة بالفتح ، وبناؤه الحالي يعود لفترات لاحقة ( عثمانية غالباً ) .
6 ) المدرسة الرشدية : أول مدرسة رسمية في تاريخ الأردن ( 1899 م ) ، وشيدت فوق تل إربد كحلقة وصل بين التعليم القديم والنظام الحديث .
7 ) الزوايا والكتاتيب : مثل زاوية الشيخ عبد الله الرمثاوي بالعقيبية ، وكتاتيب الشيخ عيسى الملكاوي ، والشيخ علي العمري في كفر سوم ، والشيخ نور الدين السعدي في البارحة .
الامتداد الفكري والعلماء في العصر الحديث ( قامات شمال الأردن ) :
استمر العطاء العلمي بظهور قامات فكرية وشرعية أثرت المشهد الثقافي والوطني ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، نذكر هؤلاء الأعلام وغيرهم الكثير من العلماء والفقهاء الذين وجب ذكرهم تقديراً لفضلهم :
2 ) مصطفى وهبي التل ( عرار ) : الشاعر والأديب الفذ الذي خلد فكر وفلسفة المكان .
3 ) الشيخ بركات الحريري والشيخ سليمان القرعان : اللذان واصلا مسيرة الإفتاء والتدريس في الجامع الكبير بإربد بعد تخرجهم من مدارس الشام عام 1938 م .
4 ) الشيخ نوح القضاة : مفتي المملكة الأردنية الهاشمية السابق ، وأحد أبرز علماء العصر الحديث .
5 ) الشيخ سعيد الحجاوي : مفتي محافظة إربد الأسبق ، وعضو مجلس الإفتاء .
6 ) الشيخ الدكتور محمد ركان الدغمي : من أبرز الأكاديميين والباحثين في الشريعة والقانون .
7 ) الشيخ عبد القادر العمري : من علماء كفرسوم الذين اشتغلوا بالتدريس والوعظ والإرشاد .
8 ) الشيخ سالم الرواشدة : من علماء مدينة الرمثا ، الذي عُرف بتبحره في العلوم الشرعية .
9 ) الشيخ فوزي بن علي الكفيري : أحد قضاة الشرع والعلماء الذين ساهموا في إدارة المؤسسات العلمية .
10 ) المؤرخ الدكتور عبد الكريم الغرايبة : شيخ المؤرخين الأردنيين والعرب ، الذي قدم نتاجاً علمياً غزيراً في تاريخ العرب الحديث والمعاصر .
11 ) المؤرخ الدكتور يوسف درويش الغوانمة : رائد الدراسات التاريخية في العصور الإسلامية والوسطى ، والذي وثّق التاريخ الحضاري لشرقي الأردن بدقة وموضوعية .
إن استقراء الحراك العلمي لمناطق شمال الأردن يقودنا إلى أن تاريخ هذه الحواضر هو سجل حافل بالأسماء التي لم تكتفِ بالتحصيل المحلي ، بل كانت تجوب الأقطار طالبةً ومعلمة . إن هذه المساجد والمدارس والزوايا ، على تواضع حجم بعضها ، تحمل قيمة تاريخية إنسانية كبيرة ، وتُعد جزءاً أصيلاً من هوية المكان وذاكرته الممتدة عبر الزمن .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) القلقشندي ، صبح الأعشى في صناعة الإنشا .
2 ) ياقوت الحموي ، معجم البلدان .
3 ) د . يوسف غوانمة ، التاريخ الحضاري لشرقي الأردن في العصر المملوكي .
4 ) تحسين أحمد التل ، كبار الشيوخ ورجالات الحركة التعليمية في إربد قديماً .
5 ) وثائق التراث الثقافي الأردني ، منشورة عبر البوابات الإلكترونية الرسمية ، 2026 م .
6 ) سجلات وإحصائيات تربوية وتاريخية منشورة عبر ( ResearchGate ) ، شوهدت في نيسان 2026 م .