يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من ضعف في العظام دون أن يدركوا ذلك، حيث تتطور هذه الحالة بصمت شديد لسنوات طويلة قبل ظهور أي أعراض واضحة. ويُعد هذا الاضطراب، المعروف باسم هشاشة العظام، من أكثر المشكلات الصحية شيوعا، خاصة بين كبار السن والنساء بعد انقطاع الطمث، ويُسهم بشكل مباشر في زيادة خطر الكسور.
وهشاشة العظام مرض صامت يتطور تدريجيا دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل اكتشافه صعبا في بدايته. فمع مرور الوقت، تبدأ كثافة العظام بالانخفاض بشكل تدريجي نتيجة اختلال عملية البناء والهدم داخل النسيج العظمي، دون أن يشعر المصاب بأي تغيرات ملحوظة. وغالبًا ما يتم اكتشاف المرض بعد حدوث كسر مفاجئ أو أثناء إجراء فحص لكثافة العظام، وهو ما يؤكد أهمية الوعي المبكر وإجراء الفحوصات الدورية، خاصة لدى الفئات الأكثر عرضة مثل كبار السن والنساء بعد انقطاع الطمث، للحد من مضاعفاته الخطيرة.
تتجدد العظام داخل الجسم باستمرار عبر عملية طبيعية تُعرف بإعادة تشكيل العظام، حيث يتم تكسير النسيج القديم وبناء نسيج جديد بشكل متوازن. لكن مع التقدم في العمر، يبدأ هذا التوازن في الاختلال، فتتسارع عملية فقدان العظام مقارنة ببنائها، ما يؤدي إلى ضعف تدريجي في بنيتها.
تصل كثافة العظام إلى ذروتها في منتصف العشرينيات وحتى أوائل الثلاثينيات، ثم تبدأ بالانخفاض تدريجيًا بعد ذلك. ويُعد التقدم في العمر العامل الأساسي في هذا التغير الطبيعي، إلا أن هناك عوامل أخرى قد تسرّع من حدوثه.
من أبرز هذه العوامل التغيرات الهرمونية، خصوصا انخفاض هرمون الإستروجين لدى النساء بعد انقطاع الطمث، وهو ما يؤدي إلى تسارع فقدان الكتلة العظمية. وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من النساء فوق سن الخمسين قد يتعرضن لكسر ناتج عن هشاشة العظام خلال حياتهن.
كما تلعب عوامل نمط الحياة دورا مهما، مثل التدخين، وقلة النشاط البدني، إضافة إلى نقص العناصر الغذائية الأساسية مثل الكالسيوم وفيتامين د، والتي تعد ضرورية لبناء عظام قوية والحفاظ عليها.
قد تساهم أيضا بعض الأمراض المزمنة مثل اضطرابات الامتصاص، وكذلك الاستخدام الطويل لبعض الأدوية كالكورتيزون، في زيادة خطر الإصابة بهشاشة العظام.
غالبًا ما يتم اكتشاف المرض في مراحل متأخرة بعد حدوث كسر أو أثناء فحص كثافة العظام المعروف باسم DXA، الذي يقيس قوة العظام بدقة. وتساعد نتائج الفحص الأطباء على تحديد مستوى الخطورة ووضع خطة علاج مناسبة.
الوقاية من هشاشة العظام
الوقاية من هشاشة العظام ممكنة إلى حد كبير من خلال اتباع نمط حياة صحي ومتوازن يساعد على الحفاظ على قوة العظام وتقليل فقدان الكتلة العظمية مع التقدم في العمر. ويُعد النشاط البدني من أهم العوامل الوقائية، خاصة التمارين التي تعتمد على تحمل الوزن مثل المشي السريع والركض وصعود الدرج، إضافة إلى تمارين المقاومة التي تسهم في تقوية العضلات والعظام معًا وتحسين التوازن العام للجسم وتقليل خطر السقوط.
كما يلعب الغذاء دورا أساسيا في الوقاية، حيث يُعتبر الكالسيوم وفيتامين د من العناصر الضرورية لبناء العظام والحفاظ على صلابتها. ويمكن الحصول على الكالسيوم من منتجات الألبان والخضروات الورقية والأطعمة المدعمة، بينما يُعد التعرض المعتدل لأشعة الشمس ومكملات فيتامين د عند الحاجة من الوسائل المهمة لدعم امتصاص الكالسيوم في الجسم.
وفي بعض الحالات، قد يوصي الأطباء بالعلاج الدوائي، خصوصا لدى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر أو الذين يعانون من فقدان كبير في كثافة العظام، حيث تعمل هذه الأدوية على إبطاء تآكل العظام وتقليل احتمالية حدوث الكسور. ومع ذلك، يبقى الكشف المبكر عاملا حاسما في التحكم في المرض ومنع تطوره إلى مراحل أكثر خطورة. وتعد العادات الصحية المستمرة منذ سن مبكرة، مثل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني المنتظم، والابتعاد عن التدخين، تمثل خط الدفاع الأول للحفاظ على عظام قوية وصحة أفضل على المدى الطويل.