يُعد القضاء العشائري في المجتمع البدوي إرثاً أصيلاً ومنظومةً قامت على العدل وإصلاح ذات البين، واستمدت هيبتها من الالتزام بشرع الله، ومن رجال عُرفوا بالحكمة والخبرة والنزاهة، فكانوا محل احترام الجميع، وحافظوا على الدماء والأعراض والحقوق، وأسهموا في ترسيخ السلم المجتمعي.
وقد عرفت البادية عبر تاريخها قضاة متخصصين، فلكل قضية رجالها وأهل خبرتها، فمنهم قضاة الدم والقتل، وقضاة العرض والشرف، وقضاة الجروح والإصابات، وقضاة الحقوق والأموال والأراضي، إضافة إلى رجال الصلح والعطوات والإصلاح، الأمر الذي أكسب القضاء العشائري مكانته وهيبته، وجعل التخصص والخبرة أساساً في إحقاق الحق وإصلاح ذات البين.
غير أن ما نشهده اليوم من تلاسن ومهاترات وتعالي أصوات، ومحاولات بعض المتسلقين تصدر المشهد دون علم أو اختصاص أو رصيد من الخبرة، يعد سلوكاً دخيلاً على مجتمع البادية وقيمه الأصيلة. فالقضاء العشائري ليس مجالاً للمزايدات أو الشهرة أو المصالح الشخصية، وإنما أمانة ومسؤولية لا يحملها إلا من امتلك المعرفة والخبرة والثقل العشائري، وحكم بشرع الله دون محاباة أو تهاون.
لقد عرف الآباء والأجداد أن الرجال تُعرف بأفعالها لا بضجيجها، وأن هيبة القاضي لا تُكتسب برفع الصوت أو التطاول على الآخرين، بل بالعدل والحكمة وحسن السيرة. ولذلك فإن الإساءة المتبادلة والتشكيك والمهاترات التي نشهدها اليوم لا تمت إلى أخلاق البادية بصلة، بل تسيء إلى مكانة القضاء العشائري وتضعف هيبته.
إن الحفاظ على هذا الإرث العريق يقتضي دعم القضاء العشائري برجال اختصاص مشهود لهم بالخبرة والمعرفة والحياد، واحترام أحكامهم، ورفض كل محاولات العبث أو المتاجرة بهذا الموروث الأصيل، ليبقى القضاء العشائري مدرسة في الإصلاح، وعنواناً للعدل، وسداً منيعاً يحفظ وحدة المجتمع ويصون قيمه الأصيلة بعيداً عن الأصوات المتعالية والمظاهر الدخيلة.