في عالم يسعى فيه الكثيرون إلى لفت الأنظار وتحقيق الشهرة من خلال أعمالهم، يظل البعض يفضلون العمل الصامت الخالي من الأضواء. من بين هؤلاء، يظهر الطفل ملهم مؤيد السرحان، الذي لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة، ليكون نموذجاً استثنائياً في التفاني والطيبة، متحدياً بذلك التوقعات حول ما يمكن أن يقدمه صغار السن للمجتمع.
طفل بطموحات كبيرة:
في وقت ما زال فيه الأطفال في مثل سنه منشغلين بألعابهم أو يدرسون في مدارسهم، يختار ملهم أن يكون له دور آخر، دور يرسخ قيم العمل الجاد، الإيثار، والتفاني. لا يحتاج ملهم إلى الشهرة أو إلى مدح الآخرين ليشعر بالرضا، بل يقتصر اهتمامه على القيام بعمله بشكل مخلص، بعيدًا عن الأنظار.
كل صباح، قبل أن يبدأ اليوم وتشرق الشمس، يتوجه ملهم إلى المسجد القريب من منزله بعد صلاة الفجر. في هذا الوقت الهادئ، يظل معظم الناس نائمين، ولكن ملهم يكون في حالة تأهب لتنظيف المسجد بعناية واهتمام. يحمل أدواته الخاصة ويبدأ بتنظيف الأرضيات والممرات، وتغيير السجاد إذا لزم الأمر، مع الحرص على أن يكون كل شيء في مكانه تماماً.
عمل خالص لوجه الله:
ما يميز هذه المبادرة عن غيرها من الأعمال الخيرية، هو أن ملهم يفضل أن يكون عمله في سرية تامة. لا يسعى للحصول على تقدير أو شكر من أي شخص، بل يعتبر أن ما يفعله هو خدمة لله تعالى ولبيته الكريم. في أحد اللقاءات مع أفراد أسرته، ذكر ملهم أنه يشعر براحة نفسية كبيرة بعد أن ينتهي من عمله في المسجد، مشيرًا إلى أن القيام بمثل هذا العمل البسيط يعزز في داخله شعورًا بالسلام الداخلي والرضا.
دور المسجد في حياة الطفل:
المسجد بالنسبة لملهم ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو مكان مقدس يجب الحفاظ عليه. في كلماته، يقول: "المسجد هو بيت الله، وإذا كان لي أن أساعد في جعله نظيفًا وجميلًا، فهذا شرف لي." ويؤكد ملهم أن الشعور الذي يعيشه في كل مرة يصلي فيها في مسجد نظيف، هو شعور لا يعادله شيء. ويشعر بالفخر لأنه يساهم في تحسين بيئة الصلاة لمجتمعه المحلي.
القيم التي يزرعها الملهم:
ما يفعله ملهم ليس مجرد عمل تطوعي أو نشاط غير مألوف، بل هو درس قوي لجميع من يعرفه في كيفية تعزيز القيم الإنسانية. فالطفل الذي اختار أن يكون قدوة في نظافة المسجد، يتعلم منذ سن مبكرة معنى العطاء بلا مقابل، ومفهوم الخدمة التي لا تهدف إلى شهرة أو تقدير. إضافة إلى ذلك، فإن ملهم يعكس صورة حقيقية لثقافة العطاء التي يجب أن تنتقل من جيل إلى جيل.
تأثيره على مجتمعه:
قصته لم تقتصر على كونها مجرد فعل فردي، بل ألهمت الكثيرين في المجتمع المحيط به، سواء من أصدقائه أو أفراد عائلته. عائلات كثيرة بدأت تنظر إلى ملهم كقدوة يمكن أن يتعلم منها أطفالهم العديد من القيم، مثل الاهتمام بالنظافة، والإيثار، والتواضع. في هذا السياق، تقول والدته: "نحن فخورون به جدًا. لقد أصبح ملهم مصدر إلهام للجميع، وليس فقط لأسرته. نحن نؤمن بأن هذه الأعمال الصغيرة هي التي تصنع التغيير الكبير."
التأثير على الأطفال في سنه:
فيما يعتبر البعض أن الأطفال في سن ملهم يكتفون باللعب والاهتمام بدراستهم، فإن ملهم يثبت أن للأجيال الصغيرة القدرة على إحداث فارق حقيقي في محيطهم. قد يتطلب الأمر شجاعة كبيرة، وخاصة بالنسبة للطفل الذي يشعر بالراحة في القيام بعمل تطوعي بمفرده، ولكن بفضل هذه المبادرات الطيبة، يكتسب ملهم ثقة عالية بالنفس ويشعر بأنه جزء لا يتجزأ من مجتمعه.
رسالة ملهم:
عندما سُئل ملهم عن رسالته إلى أقرانه، أجاب بكل بساطة: "إذا كنت تستطيع مساعدة الآخرين، فلا تنتظر حتى يكبر عمرك. ابدأ اليوم بما تستطيع فعله، حتى وإن كانت أفعالك صغيرة. لأن الأعمال الطيبة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا."
تلك كانت رسالته التي يتبناها يوميًا في حياته. يعمل جاهدًا ليُظهر أن العمل الصامت، الذي لا يتطلب إشادة أو شهرة، يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من أي عمل آخر.
ملهم السرحان هو نموذج حي للطفل الذي يكبر في قلبه حب الخير والإيثار، والذي يفضل خدمة الناس في صمت بعيدًا عن الأضواء. قصته تمثل رسالة ملهمة لنا جميعًا بأن العمل الصادق، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يكون له تأثير كبير على المجتمع، وأن العطاء بلا مقابل هو الطريق الحقيقي نحو التغيير.