في صفحات المجد الأردني، ثمة رجال لا يرحلون كعابرين، بل يتركون خلفهم بصمةً لا تُمحى، ونياشين تُضيء عتمة الغياب. العميد الراحل خلدون صالح الغرايبة لم يكن مجرد ضابط في جهاز الأمن العام، بل كان مدرسة في الانضباط، وقدوة في الحق، وسيرةً عطرة نبتت في سهول و حواري بلدة حوارة وأثمرت في كل شبر من ثرى الوطن. واليوم، ورغم مرور سبعة أعوام على ذلك الرحيل المرّ، لا يزال صدى خطاه يتردد في ردهات مديريات الشرطة، ولا تزال صورته " أبو محمد " المتواضع الحازم مرسومة في ذاكرة كل من عرفه.
من حوارة إلى صدارة المجد
تبدأ الحكاية من " حوارة " الأبية بمحافظة إربد عام 1964 م، حيث وُلد الفارس الذي سيحمل همّ الوطن على كتفيه مبكراً. تنقل في صروح العلم من مدرسة " التطبيقات " إلى مدرسة " عمر المختار "، وصولاً إلى مدرسة " ثانوية إربد الثانية خالد بن الوليد فيما بعد " التي شهدت تفوقه. لم يتوقف طموحه عند حد، فكان " الحق " غايته الأسمى، فالتحق بكلية الحقوق في الجامعة الأردنية ليتخرج منها عام 1987م، حاملاً في قلبه عدالة القانون وفي روحه شهامة " ابن القرية " الذي لا يخذل ملهوفاً.
القائد الإنساني : " أبو محمد " الذي انحاز للضعفاء
خلف الهيبة العسكرية والبزة الرسمية، كان يسكن قلبٌ يتسع للجميع. عُرف عن العميد خلدون أنه لم يوصد باب مكتبه يوماً في وجه صاحب حاجة، ولم يكن يتعامل برتبته بل بأخلاقه. يروي زملاؤه ومحبوه مواقفاً بكثير من الشجن،
كيف كان ينحاز دوماً للضعفاء، وكيف كان يذلل الصعاب للمواطنين بروح القانون لا بنصه الجامد، مؤمناً بأن الوظيفة العسكرية هي أمانة لخدمة الناس لا للتسلط عليهم. كان في عمله أخاً كبيراً للأفراد قبل أن يكون مديراً، يشاركهم مآدبهم البسيطة ويستمع لهمومهم الخاصة، مما جعل منه قائداً يُطاع بحب لا بخوف.
مسيرة " الوكيل الجامعي " ودبلوماسية البزة العسكرية
بخطىً واثقة : بدأ خلدون الغرايبة رحلة الصعود من رتبة وكيل جامعي. تدرج في الرتب والميادين من المفرق إلى العاصمة، ومن الإقامة والحدود إلى رئاسة المراكز الأمنية والادعاء العام، حيث كان ميزان العدل بين يديه مقدساً. ولم يقتصر عطاؤه على الداخل، بل كان سفيراً مهيباً للأردن في النمسا، وملحقاً عسكرياً وأمنياً في الخرطوم عام 2017 م، ليثبت أن الضابط الأردني هو مزيج فريد من الكفاءة الأمنية والرقي الدبلوماسي.
الترقية الاستثنائية : وداعٌ على رأس الواجب
في الخامس والعشرين من تشرين الأول عام 2018 م، وبشرفِ مَن يقضي وهو يذود عن حياض وطنه، توقف قلب الفارس عن الخفقان وهو " على رأس عمله، رحل تاركاً غصةً لم تبرد نيرانها بعد سبع سنوات. ولأن الأردن وطن الوفاء، جاءت الإرادة الملكية السامية بعد وفاته بأيام لترفيعه " استثنائياً " إلى رتبة عميد، كأنه تكريمٌ لروحٍ لم تعرف الكلل، ورسالة بأن الدولة تنحني إجلالاً لمن أخلص لها حتى النَفَس الأخير.
إرثٌ محفورٌ بالوفاء
رحل العميد خلدون الغرايبة، لكن خزانة الوطن تحتفظ بشاراته وأوسمته، وذاكرة الناس تحتفظ بمواقفه التي لا تُشترى بالمال. لم يرحل قبل أن يغرس علمه في عقول الأجيال عبر ورشات عمل متخصصة، ليظل ذكره حياً في كل محاضرة عن إدارة الأزمات أو مكافحة الاتجار بالبشر.
سبعُ سنواتٍ مرّت.. ولم يزدنا الغياب إلا يقيناً بأن " أبو محمد " لم يرحل، بل عبر إلى ضفة الخالدين بسيرته البيضاء. فسلامٌ على روحٍ وهبت العمر للوطن، وسلامٌ على سيرةٍ ستظل تُروى بكل فخر واعتزاز كفصلٍ من فصول النبل الأردني الأصيل.