في كل مرة تُعلن فيها مؤسسة عامة عن ارتفاع مديونيتها أو تفاقم خسائرها، يُطلب من المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن يكون شريكًا في تحمل الأعباء. ترتفع الرسوم، وتُفرض الضرائب، وتُعاد هيكلة التعرفة، ويُقال إن المصلحة الوطنية تقتضي مشاركة الجميع في مواجهة الأزمة.
لكن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من المواطنين يبقى مشروعًا: إذا كان المواطن مطالبًا بتحمل الخسائر، فهل سيكون شريكًا أيضًا إذا تحققت الأرباح؟
عندما تُطرح أرقام بمليارات الدنانير كمديونية على مؤسسات خدمية كبرى، يصبح المواطن أمام معادلة غير متوازنة. فهو لا يملك حق اتخاذ القرار الإداري أو المالي، ولا يشارك في رسم السياسات التي قد تكون أوصلت المؤسسة إلى هذا الواقع، لكنه يجد نفسه في النهاية مطالبًا بالمساهمة في تغطية العجز وتحمل نتائجه.
ولنفترض جدلًا أن إحدى هذه المؤسسات استطاعت خلال سنوات قليلة تحويل خسائرها إلى أرباح كبيرة. هل سنسمع حينها دعوات لتوزيع جزء من هذه الأرباح على المواطنين؟ هل ستنعكس مباشرة على تخفيض الأسعار والرسوم؟ أم أن الأرباح ستُعتبر نجاحًا إداريًا، بينما تُعتبر الخسائر مسؤولية جماعية يجب أن يتحملها الجميع؟
القضية هنا ليست المطالبة بتوزيع الأرباح نقدًا على الناس، بل المطالبة بمبدأ العدالة والمساءلة. فإذا كان المواطن شريكًا في تحمل الخسائر، فمن حقه أن يرى أثر أي نجاح مالي ينعكس على حياته اليومية من خلال تحسين الخدمات، أو تخفيض الكلف، أو الحد من الأعباء المالية المفروضة عليه.
إن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة لا يتحقق فقط عبر مطالبة الناس بالصبر وتحمل الظروف الصعبة، بل عبر إشراكهم في معرفة أسباب الخسائر، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير، وضمان أن تكون نتائج النجاح، إن تحققت، لصالح المجتمع بأكمله.
فالمواطن لا يرفض أن يكون شريكًا في الوطن، لكنه يتساءل: لماذا يُستدعى دائمًا عند المغرم، بينما يغيب اسمه عند المغنم؟
هذا السؤال ليس اعتراضًا على الإصلاح، بل دعوة إلى ترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية، حيث تتوزع المسؤوليات والنتائج بعدالة، ويشعر المواطن أنه شريك في القرار كما هو شريك في تحمل الأعباء.