في الرابع من أكتوبر 2019، فقد الإعلام العربي أحد أبرز وجوهه، محمد خير البوريني، الذي كان نموذجًا للمهنية والجرأة الصحفية. برحيله، خسر الإعلام العربي قلمًا حرًا وصوتًا صادقًا، حمل على عاتقه مسؤولية نقل الحقيقة، مهما كانت التحديات.
رحلة إعلامية استثنائية
بدأ البوريني مسيرته في التلفزيون الأردني عام 1988، حيث برز كمراسل ومحرر متميز، ليترقى لاحقًا إلى رئيس تحرير نشرات الأخبار. لمع اسمه ببرنامجه "ستون دقيقة"، الذي قدم فيه تحقيقات جريئة، متجاوزًا الخطوط التقليدية التي حكمت الإعلام الرسمي آنذاك.
وفي عام 1994، انتقل إلى قناة "إم بي سي" ليعمل منتجًا ومراسلًا، قبل أن يحط رحاله في قناة الجزيرة عام 1997، حيث صنع مجده الإعلامي الأبرز. كان وجهًا مألوفًا للمشاهدين، مقدّمًا برنامج "مراسلو الجزيرة"، الذي كشف حقائق غابت عن أضواء الإعلام التقليدي.
شاهد على الحروب والأحداث الكبرى
لم يكن البوريني مجرد مذيع خلف المكتب، بل كان صحفيًا ميدانيًا بامتياز. غطى الحرب على العراق عام 2003 بشجاعة نادرة، وكان حاضرًا في تغطية عملية "ثعلب الصحراء" عام 1998، مقدمًا تقارير متعمقة جعلته من أكثر المراسلين مصداقية.
تلك التجربة الميدانية عززت من مكانته، وجعلته أحد رموز الصحافة الحرة في الوطن العربي. لم يكن يخشى طرح الأسئلة الصعبة، ولم يكن يتردد في الخوض في الملفات الحساسة، مما أكسبه احترام زملائه، وإعجاب الجماهير، وغضب بعض الأنظمة.
إرث لا يمحى
حصل البوريني على دبلوم في الإعلام من جامعة ويلز في المملكة المتحدة، وماجستير في الإعلام التلفزيوني من جامعة كراتشي، ليجمع بين العلم والخبرة الميدانية، وهو ما انعكس على أسلوبه الاحترافي في الصحافة.
ورغم رحيله، يبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الإعلام العربي، كأحد رواده الذين كسروا الحواجز، وأثبتوا أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية تجاه الحقيقة والناس.
رحل البوريني، لكن صوته سيظل يتردد في أروقة الإعلام، ليذكر الجميع بأن الصحفي الحقيقي لا يموت، بل يبقى صدى كلماته حيًا في ذاكرة الأمة.