داود حميدان -يستعيد الدكتور رأفت البيايضة ذكريات الطفولة في الهاشمي الجنوبي، حيث لم يكن رمضان يُقاس بزينة الشوارع ولا بأصوات المفرقعات، بل بصحنٍ صغير يدور بين البيوت قبل أذان المغرب بدقائق.
يسمونه "صحن البركة”.
كان يخرج من بيتٍ ممتلئًا بما تيسّر من طعام، ثم ينتقل إلى بيتٍ آخر فيعود محمّلًا بصنفٍ جديد ونكهةٍ مختلفة، وكأن الحارة كلها تطبخ في قدرٍ واحد، وتفطر على قلبٍ واحد.
يقول البيايضة إن ذلك الصحن لم يكن مجرد وعاء طعام، بل رسالة صامتة عنوانها المحبة، وكان طرق الباب قبيل الأذان حدثًا ينتظره الصغار كما ينتظرون لحظة الإفطار نفسها.
كبرت الأيام، وتغيّرت التفاصيل، ودخلت المظاهر إلى المشهد، لكن رمضان – كما يراه – بقي فرصةً لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج، والقلب قبل المائدة.
رمضان ليس موسم استعراض، بل موسم مراجعة. ليس سباق أطباق، بل سباق أخلاق. هو مساحة صفاء، يتخفف فيها الإنسان من ضجيج الدنيا، ويتقرب فيها إلى الله بخطوة صادقة، وكلمة طيبة، ويدٍ تمتد بالعطاء دون ضجيج.
ويؤكد أن الدين لم يأتِ ليُثقل الناس، بل ليحررهم من ضيق النفوس إلى سعة الرحمة، وأن أعظم ما في رمضان أنه يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى؛ البساطة، والتراحم، وحسن الظن بالله.
"لنعد إلى صحن رمضان بمعناه الحقيقي”، يقول البيايضة،
أن نتفقد جارًا، أن نصل رحمًا، أن نشعر بفقير ينتظر بابًا يُطرق بمحبة.
فربما كان طبقٌ صغير… سببًا في عودة البركة إلى قلوبٍ أنهكها الانشغال.