كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Neurology التابعة للأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب أن اضطراب الساعة البيولوجية للجسم قد يكون مؤشرًا مبكرًا على خطر الإصابة بالخرف، مشيرة إلى أن الحفاظ على انتظام الإيقاع اليومي قد يقلل من احتمالية الإصابة بهذا المرض التنكسي بنسبة تصل إلى 50%.
ما هي الساعة البيولوجية ولماذا تُعد حاسمة لصحة الدماغ؟
الساعة البيولوجية، أو ما يُعرف بالإيقاع اليومي (Circadian Rhythm)، هي نظام داخلي دقيق يعمل على مدار 24 ساعة، ينظّم توقيت النوم والاستيقاظ، إفراز الهرمونات، حرارة الجسم، ضغط الدم، وحتى نشاط الجهاز المناعي. هذا النظام الحيوي يتأثر بشكل مباشر بالتعرض للضوء والظلام، ويقوده مركز في الدماغ يُعرف بالنواة فوق التصالبية (SCN) في منطقة تحت المهاد.
عندما يختل هذا الإيقاع—بسبب السهر، العمل الليلي، أو السفر المتكرر عبر المناطق الزمنية—تبدأ سلسلة من الاضطرابات الفسيولوجية، من بينها الأرق، اضطرابات المزاج، ضعف التركيز، وتراجع الأداء المعرفي. لكن الجديد في الدراسة الحديثة هو الربط المباشر بين هذا الاضطراب وزيادة خطر الإصابة بالخرف، لا سيما لدى كبار السن.
نتائج الدراسة: انتظام الإيقاع اليومي يقي من الخرف
الدراسة التي شملت أكثر من 2000 شخص بمتوسط عمر بلغ 79 عامًا، وجدت أن الأفراد الذين حافظوا على نمط يومي منتظم في النوم والاستيقاظ والنشاط البدني، كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بنسبة تقارب 50% مقارنة بمن يعانون من تشتت في إيقاعهم البيولوجي.
ولم تقتصر النتائج على توقيت النوم فقط، بل شملت أيضًا انتظام النشاط البدني خلال النهار، وتوقيت تناول الوجبات، والتعرض المنتظم للضوء الطبيعي. هذه العوامل مجتمعة تساهم في تعزيز استقرار الساعة البيولوجية، ما ينعكس إيجابًا على صحة الدماغ ووظائفه المعرفية.
آليات محتملة: كيف يؤثر اضطراب الإيقاع اليومي على الدماغ؟
تشير الأدلة إلى أن اضطراب الإيقاع اليومي قد يؤدي إلى خلل في تنظيم البروتينات المرتبطة بمرض ألزهايمر، مثل بيتا-أميلويد وتاو، والتي تتراكم في الدماغ وتؤدي إلى تدهور الخلايا العصبية. كما أن اضطراب النوم المزمن يقلل من كفاءة "نظام التنظيف" الليلي في الدماغ، المعروف بالجهاز الغليمفاوي، المسؤول عن إزالة السموم والفضلات العصبية.
توصيات وقائية: كيف نحافظ على ساعة الجسم؟
للحفاظ على إيقاع يومي صحي، ينصح الخبراء باتباع النصائح التالية:
- الالتزام بجدول نوم واستيقاظ ثابت حتى في عطلات نهاية الأسبوع.
- التعرض للضوء الطبيعي صباحًا لدعم إفراز الميلاتونين في المساء.
- تجنب الإضاءة الزرقاء من الشاشات قبل النوم بساعتين على الأقل.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام خلال النهار.
تناول الوجبات في أوقات محددة وتجنب الأكل المتأخر ليلًا.
نحو فهم أعمق للخرف والوقاية منه
رغم أن الدراسة لا تثبت علاقة سببية مباشرة، إلا أنها تسلط الضوء على عامل جديد قابل للتعديل في الوقاية من الخرف، وهو انتظام الساعة البيولوجية. ومع تزايد أعداد المصابين بالخرف عالميًا، تبرز أهمية هذه النتائج في توجيه السياسات الصحية نحو تعزيز أنماط الحياة المنتظمة، خاصة لدى كبار السن.
في ظل غياب علاج نهائي للخرف حتى الآن، تبدو الوقاية عبر نمط الحياة الصحي، بما في ذلك الحفاظ على إيقاع يومي منتظم، خيارًا واعدًا يستحق مزيدًا من البحث والتطبيق العملي.