الدردساوي: أزمة ثقة تتجاوز النصوص إلى جوهر الممارسة
داود حميدان –
قال رئيس لجنة مجلس محافظة العقبة موسى الدردساوي إن المرحلة التي كان يُفترض أن تعكس نضج التجربة الحزبية وتحولها إلى رافعة حقيقية للحياة السياسية، كشفت في المقابل عن مشهد مرتبك، تتداخل فيه القوانين مع الحسابات الضيقة، وتختلط فيه المبادئ المعلنة بالممارسات الفعلية.
وأضاف أن ما جرى في قضية حزب العمال، من فصل نائب منتخب وما تبع ذلك من جدل واسع حول البديل، لم يعد حدثًا تنظيميًا داخليًا عابرًا، بل تحوّل إلى مؤشر واضح على هشاشة بنية العمل الحزبي، ورسالة مقلقة تصل مباشرة إلى وجدان الشارع، لا سيما فئة الشباب.
من القانون إلى سؤال الثقة
وأوضح الدردساوي أن القضية في ظاهرها بدت قانونية بحتة؛ طعون ومحاكم ونصوص يُحتكم إليها، غير أن انتقالها إلى الفضاء العام نقلها من خانة القانون إلى مساحة أعمق تتعلق بالثقة.
وبيّن أن السؤال لم يعد من ربح المعركة القانونية، بل ماذا يرى الشاب الذي تابع المشهد؟ وكيف يفسر نزاعًا طويلًا داخل حزب يرفع شعارات الإصلاح، بينما تتحول الخلافات الداخلية إلى صراع معلن، ويتحوّل المقعد النيابي من وسيلة لخدمة فكرة عامة إلى غاية بحد ذاتها؟
ثقافة الإقصاء وتآكل الثقة
وأكد أن الإشكالية لا تكمن في فصل نائب أو تعيين آخر، بقدر ما تكمن في المنطق الذي أدار المشهد بأكمله. فعندما يشعر المواطن، وخاصة الشاب، أن الخلافات داخل الأحزاب لا تُدار بروح الاختلاف الديمقراطي، بل بعقلية الإقصاء والغلبة، فإن الثقة تتآكل بصمت.
وأشار إلى أن استخدام الانضباط الحزبي أحيانًا كأداة ضغط، أو استدعاء النصوص القانونية بصورة انتقائية، يجعل العمل الحزبي في نظر الشباب مساحة طاردة بدل أن يكون حاضنة للأفكار والطموحات.
شخصنة القوائم وتأثير المال
ولفت الدردساوي إلى أن الإرباك لا يقتصر على حالة واحدة، بل يتكرر بدرجات متفاوتة في تجارب حزبية أخرى، حيث تتصدر القوائم الانتخابية أسماء الأقارب والمقرّبين، لا نتيجة تنافس داخلي نزيه، بل بفعل قربهم من مركز القرار.
وأضاف أن تسلل المال إلى المشهد، ولو بصورة غير معلنة، يعمّق الفجوة بين الخطاب والممارسة، ويحوّل الانتماء الحزبي من التزام فكري وأخلاقي إلى ما يشبه الاستثمار السياسي.
التباين مع الرؤية الملكية للتحديث
وأوضح أن هذه الصورة تتناقض مع الرؤية السياسية التي عبّر عنها جلالة الملك عبد الله الثاني، ومع التوجه الذي يقوده سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، نحو تحديث منظومة العمل السياسي وبناء حياة حزبية قائمة على البرامج لا الأشخاص، وعلى المنافسة العادلة لا العلاقات الضيقة.
وبيّن أن الرسائل الملكية المتكررة أكدت ضرورة وجود أحزاب قوية، ديمقراطية داخليًا، قادرة على استقطاب الشباب وتمكينهم، لا استنزاف حماسهم في صراعات داخلية لا تشبه تطلعاتهم.
الشباب بين العزوف وحماية الأمل
وأشار الدردساوي إلى أن الشباب يقرأون التفاصيل بوعي عالٍ؛ كيف تُرتّب القوائم، ولماذا تتكرر أسماء بعينها، ولماذا تُغلق الأبواب أمام أخرى. وعند هذه النقطة، يصبح العزوف عن العمل الحزبي خيارًا مفهومًا لدى البعض، ليس بدافع اللامبالاة، بل حمايةً للأمل من خيبة متكررة.
أزمة ثقافة لا أزمة أشخاص
وختم بالقول إن جوهر الأزمة لا يتعلق بأشخاص بقدر ما يتعلق بثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة. فالحزب وُجد ليكون إطارًا جماعيًا لإنتاج الأفكار والبرامج، لا ساحة مصالح ضيقة. والقيادة تكليف لا إرث، والتمثيل مسؤولية لا غنيمة.
وأكد أن ما جرى يجب أن يشكل جرس إنذار حقيقي يدفع نحو مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للكفاءة قبل القرابة، وللبرنامج قبل المال، وللفكرة قبل المقعد، حتى تصبح الأحزاب شريكًا فاعلًا في مشروع التحديث الوطني، وقادرة على استعادة ثقة جيلٍ ما يزال يراقب… بصمت.