داود حميدان -في الجنوب، حيث تمتدّ الأرض بحكاياتها العتيقة، وحيث لا تزال التفاصيل الصغيرة تحمل ملامح الناس وصدقهم، وُلد عملٌ مختلف… ليس مجرد فيلم، بل حكاية تُروى بالقلب قبل الصورة.
"صَدَفَة”… ليس عنوانًا عابرًا، بل اختصارٌ لكل ما يمكن أن تصنعه لحظة واحدة من تغيّرٍ في حياة الإنسان.
في هذا العمل، لا يُحكى الألم فقط… بل يُعاش.
من داخل مركز أفلام العقبة، لم يكن المشروع تجربة تدريبية عادية، بل رحلة حقيقية خاضها شباب آمنوا بأن الحلم لا يحتاج إلا فرصة، وأن الإبداع يولد حين يُمنح الثقة.
بدأوا من الورق، من فكرةٍ بسيطة، ثم نسجوا منها مشاهد، وأصوات، ووجوه… حتى أصبحت قصة تنبض بالحياة.
كل لقطة في الفيلم تحمل جهدًا، وكل مشهد فيه حكاية تعبٍ وإصرار. لم يكن الطريق سهلًا، لكنه كان واضحًا: أن يصل هذا العمل إلى مكانٍ يليق به… إلى العالم.
الفيلم يلامس الإنسان في أضعف لحظاته، حين يفقد، حين يصمت، حين يحاول أن يفهم كيف يمكن للحياة أن تستمر رغم كل شيء. أداءٌ صادق حمله الممثل مجد عيد، وبراءة عميقة جسّدتها الطفلة لارين قطايشات، جعلا القصة أقرب إلى القلب، وكأنها جزء من ذاكرة كل مشاهد.
وراء الكاميرا، لم يكن هناك فريق عمل فقط… بل روح واحدة. عين المخرج مراد أبو عيشة التي التقطت التفاصيل، وعدسة سامر النمري التي ترجمت الإحساس إلى صورة، وأصوات صُنعت بعناية، وضوءٌ لم يكن مجرد إضاءة، بل لغة تُحاكي الشعور… كل ذلك اجتمع ليخلق عملًا لا يُشاهد فقط، بل يُحسّ.
"صَدَفَة” ليس فيلمًا عن الألم وحده… بل عن القدرة على النهوض. عن تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يحمل وجعه، لا ليضعف… بل ليكمل.
هو رسالة تقول إن الشباب حين يُمنحون المساحة، يصنعون ما يفوق التوقعات. وإن الإبداع الأردني ليس وليد الصدفة، بل نتيجة إيمان، ورؤية، ودعم حقيقي يضع الإنسان في قلب الحكاية.
وفي زمنٍ تتسارع فيه كل الأشياء، يبقى الفن وحده قادرًا على التمهّل… على أن يروي لنا ما لا يُقال، وأن يعيدنا إلى أنفسنا.
هنا، من العقبة… لم يُصنع فيلم فقط، بل وُلدت ذاكرة.