مساء الأمس، توجهت أنا وصديقي قدر الحويان إلى عمّان لحضور مناسبة عند الأخ عامر الرماضين الحباشنة. وقبل دوار الواحة بعشرات الأمتار، ارتفعت درجة حرارة السيارة بشكل مفاجئ حتى قاربت 120 درجة، وبدأت إشارات التحذير تظهر على الشاشة.
شاء الله أن يكون هناك كسر في الرصيف الأيمن يؤدي إلى ساحة جانبية، فدخلت منها مباشرة وأوقفت السيارة. ونظرًا لخبرتي الميكانيكية المحدودة، لم أجد أمامي سوى إغلاق السيارة واستقلال سيارة أجرة لإكمال الطريق إلى المعزب، حتى لا نتأخر عليه، على أن نعود إليها لاحقًا.
وما إن نزلنا من السيارة حتى توقفت بجانبنا سيارة تشبه سيارتنا تمامًا، لا تختلف عنها إلا في اللون، وكان بداخلها شابان. سألانا: "خير إن شاء الله؟”
قلنا: "السيارة ارتفعت حرارتها.”
فقالا بثقة: "بسيطة إن شاء الله.”
ترجّل الشابان من سيارتهما، وقالا: "خذوا سيارتنا والحقوا عشاكم عند معزبكم.”
وإذا بهما يفاجئاننا أكثر… فكّ أحدهما مروحة سيارتنا، ثم توجّه إلى سيارته وفكّ مروحتها، وركّبها في سيارتنا! وبدأ يقتطع من سيارته بعض القطع لإصلاح سيارتنا، واستعانا بعامل لإحضار الماء… وكل ذلك لم يستغرق أكثر من نصف ساعة.
شغّلا السيارة وتأكدّا أن كل شيء عاد إلى طبيعته.
قلنا لهما: "وقطع سيارتكم؟”
فقالا: "بالحرام ما ترجع ولا قطعة.”
وقبل أن نودعهما، قال أحدهما: "ترى عندكم عشا الليلة حسب ما قلتم، لكن بالطلاق إلا عشاكم عندنا غدًا.”
حاولنا الاعتذار مرارًا، لكن دون جدوى.
قلنا: "طيب، من أنتم؟”
قالا: "أنا مساعد الخريشا، وهذا قريبي ليث الخريشا، من الموقر.”
فقلنا: "إذا عُرف الاسم بطل العجب… فما فعلتموه ليس غريبًا عليكم، ولا يُستغرب الطيب من أهل الطيب. فأنتم علامة فارقة في الكرم والفزعة والنخوة، وهذه عادات أهلكم من قبلكم.”
إن مثل هذه المواقف يجب أن تُذكر وتُشكر ولا تُنسى، بل تُروى وتُكتب. فهي صورة حيّة من مكارم أخلاقنا الإسلامية والعشائرية التي تربّينا عليها، ونموذج صادق لسرديتنا الأردنية التي نفخر بها ونتغنّى.
وفي ميزان الشرع، هي من أعظم القُربات، فهي من إغاثة الملهوف التي يؤجر عليها العبد أجرًا عظيمًا، وتجسّد أصالة القيم الإسلامية والعشائرية التي ما زالت حيّة في نفوس أهلها.