أربعون يومًا مرّت على رحيل والدي، محمد نايف الخريشا، وكأنها عمرٌ كامل من الوجع المفتوح. أربعون يومًا لم يهدأ فيها الحنين، ولم يعتد القلب على فكرة الغياب، ولم تتصالح الروح مع حقيقة أن الأب، السند والظل والأمان، لم يعد هنا.
فقدان الأب ليس حدثًا عابرًا، ولا حزنًا يمكن اختصاره بالوقت. هو كسرٌ صامت، لا يُرى بالعين لكنه يُثقِل الروح. كسرٌ في الشعور بالأمان، في الإحساس بالثبات، في تفاصيل الحياة الصغيرة التي كنا نظنها دائمة.
كان والدي رجلًا طيب القلب، نقيّ السريرة، لم يعرف الأذى طريقًا إليه، ولم يخرج من مجلسٍ إلا وترك خلفه أثرًا طيبًا. لم يزعل احدا، وكان حضوره خفيفًا على القلوب، بشوش الوجه، صادق الابتسامة، وكأن الله زرع فيه لطفًا يكفي من حوله.
خلال هذه الأربعين يومًا، تعلّمنا أن الفقد لا يعني الغياب فقط، بل يعني إعادة ترتيب الحياة دون من كان ركنها الأساسي. تعلّمنا أن الحزن لا يصرخ دائمًا، أحيانًا يجلس بهدوء في القلب، ويظهر في لحظة ضعف، أو في تفصيلة تشبهه، أو في دعاءٍ يخرج دون وعي.
أربعون يومًا، واسمك يا أبي ما زال يُذكر بالدعاء، وسيرتك ما زالت تُروى بمحبة، وغيابك ما زال حاضرًا في كل زاوية من حياتنا. رحلت بالجسد، لكنك بقيت بالأثر، وبالذكرى الطيبة، وبالقيم التي زرعتها فينا.
رحمك الله يا أبي، وجعل مثواك الجنة، وجعل طيبك شفيعًا لك، وصبر قلوبنا على فراقك