وصلت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، مساء الثلاثاء، إلى تايبيه عاصمة تايوان فى زيارة هى الأولى من نوعها منذ ٢٥ عاما.
والزيارة التى نددت بها الصين وحذرت من تداعياتها تأتى وسط وضع عالمي محتقن ومتوتر بين القوى الكبرى على خلفية اندلاع الحرب فى أوكرانيا وما لحق بها من إعادة تشكيل التحالفات وترتيب الأوضاع فى النظام الدولى على نطاق واسع.
وكان محللون غربيون اعتبروا فى وقت سابق أن "كل شئ تغير بعد حرب أوكرانيا"، فلم تكن الدول الغربية نفسها تتخيل أن تعانى بهذه الشدة من وطأة العقوبات التى فرضتها على موسكو، لتتحمل هى نفسها الألام الاقتصادية المبرحة ويتعرض قادتها لخطر الرحيل عبر مقصلة الوضع الاقتصادي.
وفى وقت سابق، أوصت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، برفع بعض التعريفات الجمركية التى فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب على الصين، بوصفها وسيلة لكبح جماح التضخم فى الولايات المتحدة، عبر فتح الأسواق الأمريكية مجددا أمام المنتجات الصينية.
وبالفعل بدأت الإدارة الأمريكية فى دراسة الخطوة، التى لا يمكن أن تتم إلا فى سياق هادئ بين البلدين وعبر اتفاق، وليس فى سياق عدائي، قد ينظر من خلاله إلى الخطوة الأمريكية المرتقبة وكأنها "هزيمة تجارية".
وتأتى هذه التطورات أيضا قبل أقل من 100 يوم على انتخابات التجديد النصفي لأعضاء الكونجرس والتى تأتى وسط أزمة اقتصادية حادة تنذر بركود فى البلاد قد يطيح بالأغلبية الديمقراطية فى مجلس النواب الأمريكي.
كما تأتى التطورات وسط انهيار فى شعبية الرئيس الأمريكية إلى مستويات تقل عن ٤٠٪، فى استطلاعات الرأى التى تظهر أيضا أغلبية كبيرة يرون أن البلاد تتجه نحو الطريق الخطأ بشكل عام.
وقد لا تسمح هذه الأجواء بفتح جبهة عدائية ساخنة جديدة بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة منخرطة بالفعل فى مساعى لترميم الجبهة الغربية وتوحيدها ضد روسيا بسبب الحرب فى أوكرانيا.
وبالتالى، فثمة توجه داخل البيت الأبيض للتهدئة مع الصين، بدأت ملامحه منذ مباحثات وزير الخارجية الأمريكي أنتونى بلينكن مع نظيره الصيني وانج يي فى يوليو/ تموز الماضي على هامش اجتماعات وزراء خارجية مجموعة قمة العشرين في بالي الإندونيسية والتى قال عنها بلينكن ، إنها "كانت بناءة وجاءت في محاولة لمنع خروج التوتر الشديد بين بلديهما عن السيطرة".
ثم جاءت مكالمة الرئيس بايدن مع نظيره الصيني وقال عنها البيت الأبيض أنها هدفت للحفاظ على تواصل مفتوح ومستمر بين الجانبين من أجل احتواء أى توتر تحت السيطرة. فالتوتر الشديد مع انعدام الثقة قد يشعل مواجهة بطريق الخطأ، وفقا لمحللين.
وقال تقرير لـ"سي إن إن" إن الإدارة الأمريكية عملت منذ أسابيع لمحاول إثناء رئيسة مجلس النواب عن اتمام الزيارة، إلا أن الجهود قد باءت بالفشل.
وقبل أيام أجرى الرئيس الأمريكي جو بايدن اتصالا هاتفيا، هو الخامس له كرئيس، مع نظيره الصيني شي جين بينج، تحدثا خلالها حول عدة موضوعات فى مقدمتها الزيارة المزمعة لبيلوسي إلى تايوان.
ووفقا للمحللين، فقد حاول بايدن خفض التوترات مع بكين حول الزيارة المزمعة لبيلوسي.
لكن الرئيس الصيني، فى المقابل، حذر الولايات المتحدة من "اللعب بالنار"، وقال "إن من يلعبون بالنار سيحترقون بها".
ووفقا لمحللين فإن الرئيس الصيني الذى سيسعى للحصول على فترة رئاسية ثالثة نهاية العام الجارى لا يبدو على استعداد لتقديم أى تنازلات سياسية أو تهاون فى حقوق البلاد ومصالحها العليا.
ويزور مسؤولون أمريكيون تايوان بانتظام والتي يفصلها شريط ضيق من المياه عن البر الصيني، ولكن بكين تعتبر زيارة بيلوسي بمثابة استفزاز كبير، لعدة اعتبارت أولها أنها المسؤولة الثانية في ترتيب الرئاسة الأمريكية ونظرا لمنصبها فقد تسافر بوسائل نقل عسكرية.
وقال تقرير لوكالة "فرانس برس" إن التوتر حول زيارة بيلوسي يعتبر "غيضا من فيض" إذ يخشى المسؤولون الأمريكيون من أن يفكر شي في استخدام القوة لفرض السيطرة على جزيرة تايوان.
وكان من المستبعد أن يتم ذلك حتى لو كان على شكل عمل عسكري محدود، لكنّ مراقبي تحركات الصين يرجحون هذا الاحتمال - وربما سيتم توقيته لتعزيز موقع شي عندما يسعى في وقت لاحق من هذا العام إلى الترشح لولاية رئاسية ثالثة.
ولا يبدو أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لهذه الخطوة الآن، فبعد أن صرح بايدن فى مايو/ أيار الماضي أن بلاده "ستدافع عن تايوان" (أمام غزو صيني محتمل)، تراجع البيت الأبيض فى وقت لاحق مؤكدا أنه "لا تغيير فى سياسية البلاد الاستراتيجية (بعدم التدخل) تجاه الجزيرة، فأمريكا ملتزمة فقط بتسليح تايوان إلى مستوى يمكنها من الدفاع عن نفسها". وكالات