في الذكرى التاسعة والعشرين لوفاة الشيخ طلال مصطفى الحجاوي، نستحضر سيرة رجلٍ من رجالات الأردن الراسخين، وأحد شيوخها الذين كتبوا حضورهم بالفعل لا بالقول، فكان صاحب الكلمة الطيبة، والحكمة الراجحة، وصدق الانتماء للوطن وقيادته الهاشمية.
شكّل الشيخ طلال الحجاوي مرجعية وطنية واجتماعية يُحتكم إليها عند الخلاف، واسمًا يُستدعى في الملمات، وراية بيضاء تُرفع لإطفاء الفتن، وصون الكرامات، ومنع سفك الدماء. جمع في شخصيته حكمة الشيوخ، وشهامة الفرسان، والإخلاص للأردن أرضًا وقيادةً وشعبًا.
وكان له حضور مشرّف في معركة الكرامة، حيث وقف إلى جانب الجيش العربي الأردني موقف الرجال، مؤمنًا بأن الأرض لا تُصان إلا بأبنائها، وأن الكرامة لا تُحفظ إلا بالتضحية والانتماء الصادق. ولم يكن بعيدًا عن ساحات الشرف أو ميادين الواجب، إذ جرى ترفيعه ترفيعًا ميدانيًا من قبل سيادة الشريف ناصر رحمه الله، كما أُطلق اسم ضاحية الثورة العربية الكبرى على منطقة وادي الحجر في محافظة الزرقاء، بحضور محافظ الزرقاء آنذاك مصلح الطراونة ورئيس البلدية.
وفي السلم كما في الشدة، كان الشيخ طلال رجل الجاهات والعطوات، ورائدًا في إصلاح ذات البين، يسعى لجمع الكلمة، ويقدّم الحكمة على الغضب، والصلح على الخصام. كم من دمٍ حُقن بحكمته، وكم من خلافٍ انتهى بكلمة منه، وكم من بيتٍ عاد إليه الأمان بعد مساعيه الخيّرة.
رحل الشيخ طلال مصطفى الحجاوي، لكن سيرته باقية، وأثره حاضر، وذكراه حيّة في القلوب، تُروى للأبناء كما تُروى مآثر الكبار.
نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عن مواقفه الوطنية، وإصلاحه، وصدقه مع وطنه وأهله خير الجزاء، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.