بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة ( تربوي وباحث في التاريخ الاجتماعي والحضاري )
لم تكن سكة حديد الحجاز، التي شقت عباب البادية الأردنية مع بزوغ فجر القرن العشرين، مجرد مشروع تقني لنقل الركاب، بل كانت ،( المعول الأول ) الذي أعاد رسم خارطة المنطقة جغرافياً وديموغرافياً. في اللحظة التي لامست فيها عجلات القطار الأولى ثرى الأردن، توقفت ساعة الزمن القديم لتبدأ ( الحداثة ) قفزتها الكبرى، حيث تحول الأردن من مجرد ممر آمن للقوافل إلى قلب استراتيجي نابض، تشكلت حول أزيز محركاته البخارية ملامح الدولة والمجتمع والسياسة.
الرؤية والسيادة : هندسة التمويل الذاتي في وجه الأطماع الدولية
بين عامي 1900 و1908م. وبتوجيه مباشر من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وُلد هذا المشروع العملاق كاستجابة ذكية لضغوط جيوسياسية معقدة كانت تعصف بالمنطقة.
التحليل السياسي : في وقت كانت فيه القوى الاستعمارية ( بريطانيا وفرنسا ) تمد مخالبها عبر " فخاخ الديون " والامتيازات الأجنبية، اختار السلطان " الاستقلال المالي " عبر تبرعات المسلمين حول العالم، محولاً السكة إلى "ةوقف إسلامي " لا يخضع للارتهان الخارجي. لم يكن القرار عاطفياً فحسب، بل كان ضربة استباقية لمنع التدخل الدولي في شريان يصل إلى أقدس بقاع الأرض.
العبقرية اللوجستية : نجحت السكة في ترويض الزمن، حيث اختصرت رحلة الحج الشاقة من 40 يوماً محفوفة بالمخاطر والأوبئة إلى 72 ساعة فقط، مما نقل مفهوم " الرحلة المقدسة " إلى عصر التنظيم والأمان المطلق.
الملحمة الهندسية : كيف روض الحديد قفار الأردن ؟
كانت الأراضي الأردنية المسرح الأكبر والتحدي الأصعب لهذا الإنجاز الهيكلي. فمن " المفرق " شمالاً وحتى "
المدورة " جنوباً، لم يكن المسار مجرد خط حديدي، بل كان معركة هندسية ضد قسوة الطبيعة.
تحدي الجغرافيا : شيد المهندسون جسوراً عملاقة وأنفاقاً صخرية صلبة، مثل " نفق اشتية " في معان، في بيئة شحيحة المياه وعالية الحرارة، مما عكس إرادة بشرية فولاذية.
إعادة هندسة المدن : هنا يبرز الدور الحيوي للسكة في " صناعة المدن "، فمدينة عمان، التي كانت حتى ذلك الحين قرية وادعة في أحضان الوادي، قفزت لتصبح مركزاً إقليمياً بفضل محطتها الحيوية. وكذلك معان، التي تحولت إلى أهم " ميناء بري " في جنوب بلاد الشام، ومحطة تزويد لوجستية كبرى.
الثورة الاجتماعية : من رمال القبيلة إلى فضاء المدينة
أحدثت السكة " ثورة هادئة " في بنية المجتمع الأردني، يمكن رصد تجلياتها عبر ثلاثة محاور رئيسية :
1 ) التوطين والاستقرار : ساهمت المحطات المنتشرة في نشوء مجتمعات حضرية مستقرة، مما دفع العديد من القبائل للانخراط في مهن ترتبط بالسكة والتجارة، مما كسر طوق العزلة الصحراوية التاريخي.
2 ) الازدهار الاقتصادي : تحولت محطات مثل ( القطرانة، الحسا، والجيزة ) إلى أسواق عالمية مصغرة، حيث امتزجت البضائع الدمشقية والمنتجات الأوروبية بمحاصيل الريف ومنتجات البادية الأردنية.
3 ) التلاقح الثقافي : غدت السكة جسراً عابراً للقارات، يربط الأردنيين بوفود الحجاج من فرس وهنود وأتراك ومغاربة، مما أغنى النسيج الثقافي المحلي برؤى وأفكار عالمية سبقت عصر العولمة بعقود.
المنعطف الاستراتيجي : السكة في أتون الثورة العربية
مع انطلاق شرارة الثورة العربية الكبرى عام 1916م، تغيرت وظيفة السكة من أداة وصل إلى هدف عسكري حاسم في تقرير مصير المنطقة.
التحليل العسكري : أدركت القيادة العربية، بقيادة الشريف الحسين بن علي وأنجاله، أن بقاء السكة تحت السيطرة العثمانية يعني استمرار تدفق الإمدادات العسكرية للحجاز. لذا، كانت عمليات " حرب السكك " وتدمير الخطوط التي نفذها أبطال الثورة ببراعة، هي الرصاصة التي شلت حركة الجيش العثماني، مما عجل بنهاية الحقبة القديمة وبزوغ فجر الدولة العربية المستقلة.
أرواح عالقة في الحديد والصدأ :
إن سكة حديد الحجاز اليوم ليست مجرد أطلال صامتة أو قضبان علاها الصدأ، بل هي " ذاكرة وطنية حية ". إنها الشاهد الباقي على أحلام الوحدة، وصراعات الإمبراطوريات، وولادة الدولة الأردنية من رحم الصحراء.
بينما تقف القاطرات اليوم في متاحف عمان ومعان، فإنها لا تروي قصة رحلة انتهت، بل تؤكد أن الأردن كان وسيظل "حلقة الوصل الكبرى" بين التاريخ والجغرافيا، وبين القداسة والحداثة. إن الحفاظ على هذا الإرث ليس ترفاً، بل هو استحضار لصافرة القطار التي لا يزال صداها يتردد في الوجدان الجمعي، مذكراً بأن الأرض التي طوعت الحديد بالصبر، قادرة دائماً على صياغة مستقبلها بصلابة ذلك ( الشريان الحجازي ).