وترجّل فارسٌ من فرسان هذا البلد، أردنيّ الهوى، إربديّ اللون، حورانيّ الجذور، فترجّل معه فصلٌ ناصع من فصول الدولة الأردنية، لا يُطوى إلا ليُقرأ مرارًا. في ذمّة الله الطود الوطني، دولة أحمد باشا عبيدات، الرجل الذي حين يُذكر اسمه تُستدعى هيبة الدولة، وحين يُستحضر تاريخه يُستنهض الضمير الوطني.
لم يكن أحمد باشا عبيدات طارئًا على الدولة، بل كان من صُلبها؛ ابنَ مؤسساتها، وحارسَ توازنها الدقيق، ورجلًا أدرك مبكرًا أن الدولة لا تُدار بالصوت العالي، بل بالعقل الهادئ، ولا تُحمى بالشعارات، بل بالمواقف. تقلّد المسؤولية في مفاصل حسّاسة من تاريخ الأردن، فكان حيث يجب أن يكون، صلبًا دون قسوة، حازمًا دون استعراض، وحكيمًا دون مواربة.
كان رجل دولة بالمعنى العميق للكلمة؛ وطنيًّا في الحكم، ووطنيًّا في المعارضة، ثابتًا على مبدأ أن الاختلاف لا يُسقط الولاء، وأن النقد لا يعني الخصومة، وأن الانحياز للأردن يعلو على كل اعتبار. عارض حين رأى أن المعارضة واجب، وصمت حين أدرك أن الصمت حكمة، لكنه لم يُساوم يومًا على ثوابت هذا البلد: شعبًا، وأرضًا، ونظامًا، ومؤسسات، وقواتٍ مسلحة، ظلّت في وجدانه خطًا أحمر لا يُمس.
في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات وتاهت فيه البوصلة، كان أحمد باشا عبيدات نموذجًا نادرًا لرجلٍ فهم أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بدرجة القرب من السلطة، بل بصدق الموقف، وأن الدفاع عن الدولة لا يكون بالتطبيل، بل بالحفاظ على صورتها، ومكانتها، وعدالتها. لذلك بقي احترامه حاضرًا حتى عند خصومه، وبقيت كلمته موزونة حتى عند المختلفين معه.
عاش نبيلاً طيبًا مُحبًّا، ومضى كما يليق بالكبار؛ على سرير من الكبرياء، تاركًا خلفه سيرة نظيفة، وذاكرة عامرة، وآلاف الأقلام التي ستكتب تاريخه لا مجاملةً، بل اعترافًا. مثّل تاريخه ضميرًا وطنيًا حيًا، يُذكّر الأجيال بأن الدولة فكرة قبل أن تكون منصبًا، ومسؤولية قبل أن تكون وجاهة.
برحيله، لا يفقد الأردن اسمًا فقط، بل يفقد مدرسة في الفهم السياسي والأخلاقي، ونموذجًا لرجلٍ جمع بين قوة الدولة ونُبل الخلق، بين الحزم والإنسانية، وبين الإخلاص والصراحة. غير أن العزاء كل العزاء، أن أمثال أحمد عبيدات لا يموتون؛ يبقون في الذاكرة، وفي المعنى، وفي الدرس.
رحم الله الفقيد وغفر له، وجعل مثواه جنات النعيم.
تعازينا الحارّة للأردن والأردنيين، ولأهل الفقيد ومحبيه، وللوطن الذي يودّع اليوم أحد أنبل رجاله.