قوافل الراحلين إلى وطن النائمين لا تنقطع، تمرّ بنا كرسائل صامتة تذكّرنا أن الراكب على المسير لا بد أن يلحق ولن يتأخر، وأن الدنيا محطة، ورحلة قصيرة، ولحظة عابرة مهما طالت بنا الليالي، ومعبر لا يدوم. توقظ فينا عزيمة العمل للقاء لا مفرّ منه، وكأسًا دوّارًا يتجرّعه الإنسان من الله القاهر عباده بالموت، فتتجدد في القلوب معاني الصبر والإيمان والرضا بقضاء الله وقدره، وتتعاظم في النفوس أسئلة الفقد، وتبقى الذكريات شاهدًا حيًا على أعمارٍ صنعت المعنى، وعلى رجالٍ كتبوا حضورهم بالفعل قبل الرحيل.
المرحوم أبو الرائد الخطبا من مواليد غور فيفا لعام 1954، ومنذ بداية حياته العملية مكافحًا في حبه للأرض التي يغرس زرعها ويقطف محصول ثمرها للبحث عن نوافذ الأمل والمستقبل، وقد عمل موظفًا لدى شركة البوتاس العربية، ومن ثم انتقل إلى وزارة الأوقاف خطيبًا على المنابر وإمامًا لمسجد فيفا القديم، وقد كان حاضرا في صلواته ولا ينقطع ويتحفنا واعظًا بالمحاضرات، ومن ثم انتدب موظفًا إلى سلطة وادي الأردن. وهو من الشخصيات البارزة والجيل المثقف ممن نهضوا في المجال الرياضي والعمل التطوعي للمنطقة، حيث كان يشغل منصب رئيسًا لنادي شباب فيفا الرياضي للدورة الثانية في التسعينات لعام 1995، بعد انتهاء مدة الدورة الأولى للمؤسس الأول لنادي شباب فيفا الرياضي السيد حمد البخيت المحافظة رحمه الله، المرجعية الرياضية للوهلة الأولى للمنطقة، وصاحب الأثر الكبير في مسيرة النادي وبداياته، فكان حضوره علامة مضيئة في تاريخ العمل الرياضي والاجتماعي.
مما يلفت النظر للحديث عن شخصية المرحوم أبو الرائد الخطبا، والذي يتمتع بخبرة إدارية واسعة ورؤية تطويرية ساهمت في الارتقاء بالنادي على المستويين الرياضي والتنظيمي، حيث عمل على دعم وتعزيز الاحتراف والتوجيه في بناء شراكات فعالة، مما انعكس إيجابًا على أداء الفرق وسمعة النادي ومكانته في الوسط الرياضي. ويؤمن ببعد نظره بأهمية العمل المؤسسي وروح الفريق وتشاركية المجتمع وأولوية الوصول لتحقيق الإنجازات المستدامة، رغم آنذاك قلة إمكانيات المنطقة وظروفها الصعبة، فكان مثالًا للقائد الذي يصنع من التحديات فرصًا، ومن الإمكانيات المحدودة إنجازات راسخة.
ومن خضم الإنجاز والمهارات اشتهر في عهده فريق نادي شباب فيفا الرياضي بالسمعة والظهور على مستوى لواء الأغوار الجنوبية، ولم يعرف طعم ومعنى الخسارة في زيه الأخضر الشاهده على إنجازاته الذي تعرفه محافظة الكرك والجنوب ونادي الجور الرياضي غور الصافي، في لقاء مستمر للأندية لأصعب التحديات والنهائيات، ولحصاد جهد كبير من البطولات المتوجة بأداء الفريق المتميز، مما جعل النادي علامة فارقة في تاريخ الرياضة في المنطقة، ورمزًا للفخر والانتماء، وذاكرةً حيّة في وجدان أبناء الأغوار.
ويتسنى لنا في هذا الصدد ذكر بعض الشخصيات البارزة في منطقة فيفا ظهرت للعمل التطوعي والبدايات في عهد المرحوم أبو الرائد الخطبا آنذاك أعضاء للهيئة الأدارية : السيد الوجيه عثمان عقله البوات نائبًا للرئيس، والسيد المرحوم حسين عواد المعاقلة محاسبًا، والسيد رضوان رمضان المحاسنة رئيسا للجنة الرياضية والسيد المرحوم حسين عبد المحسن المحاسنة رئيسا للجنة الإجتماعيه والسيد عايد جميعان المحاسنة رئيسا للجنة الثقافية وتلك الاسماء شاهدة على مرحلة مشرقة من العمل والعطاء منذ التأسيس .
المرحوم أبو الرائد الخطبا عاش وفيًا غيورًا لأبناء المنطقة، لرحابة صدره، دمثًا خلوقًا، كريمًا مضيافًا، وقلبًا رحيمًا، لا يكره ولا يحقد، وعلى نهج والده الراحل فكاك النشب الحاج الوجيه المرحوم عياد محمد الخطبا، ويعاشر بتواضع من هو أصغر منه سنًا حبيبا وصديقا عاشرته ولا يتكبر على غيره، وله مساحة واسعة من المحبة والتقدير بين أهله وعشيرته من أبناء المنطقة ولواء الأغوار. ولا نزكي على الله أحد، ولا يعرف قدر ومكانة الرجال إلا الرجال، وتقاس هذه المكانة بالففل وما يتركونه من الإثر.
الفقيد المرحوم أبو الرائد الذي عاش صراعاً طويلاً مع المرض صابرا محتسبا والذي سيبقى ذكرى لمن عاشره كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. لم يكن رحيله مجرد غياب جسد، بل كان غياب قامة ومدرسة في الحكمة والكرم والتوجيه، منسجما مع الحوار دافئا برأيه السديد. واليوم نحن ندرك أن الرجال العظام لا يموتون في قلوب محبيهم، بل يتركون خلفهم إرثًا من القيم والمواقف التي نقتدي بها، وسيرةً تُروى للأجيال، ومواقف تُستحضر كلما ضاقت الطرق، ليبقى حضوره ممتدًا في الذاكرة والوجدان. ولا بد أن نعرف بأن الوفاء والثناء والعرفان للأشخاص خصله نادره وقليل من ينصف إلا من رحم .
رحم الله الفقيد المكرم خلف عياد الخطبا أبو الرائد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، وجعل ما قدمه من خير وعطاء في ميزان حسناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.