في خضمّ التحولات الإقليمية المتسارعة، تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر حملات تشكيك تستهدف الأردن، عبر توصيفه زوراً بالدولة الطارئة أو الدولة المصطنعة. هذا الخطاب لا يمكن فصله عن سياقه السياسي، ولا عن كونه محاولة متعمّدة لإفراغ التاريخ من مضمونه، والجغرافيا من معناها، تمهيداً لإعادة تشكيل الوعي وفق روايات تخدم أجندات ضيقة.
فالأردن لم ينشأ بقرار عابر، ولم يولد على هامش التاريخ. هذه الأرض كانت حاضرة في قلب الحضارة الإنسانية منذ آلاف السنين، قبل أن تتشكّل مفاهيم الدولة الحديثة والسيادة السياسية. وتشكل عين غزال في عمّان واحدة من أقدم شواهد الاستقرار البشري والزراعة في العالم، في دلالة واضحة على أن الأردن لم يكن يوماً فراغاً تاريخياً كما يحاول البعض الادعاء.
ومن يتعمّد إنكار تاريخ الأردن يتجاوز حقائق راسخة لا تقبل الجدل، بدءاً من مسلة ميشع في ذيبان، التي وثّقت السيادة والهوية بلغة الحجر، مروراً بالبترا التي قدّمت نموذجاً حضارياً متقدماً سبق عصره، وصولاً إلى ممالك الأدوميين والمؤابيين والعمونيين التي أسهمت في تشكيل البنية السياسية والاجتماعية للمنطقة. هذه الشواهد ليست روايات عاطفية، بل حقائق موثقة في سجل الحضارة الإنسانية.
وتتواصل حلقات هذا التاريخ عبر الفنون البيزنطية في مادبا وأم الجمال، ثم القلاع الإسلامية في الكرك وعجلون، التي لم تكن مجرد تحصينات عسكرية، بل مراكز حكم وإدارة ودفاع عن الإقليم. وهو ما يؤكد أن الأردن كان دائماً فاعلاً في محيطه، لا تابعاً ولا نتاج دولة مصطنعة بلا جذور.
الدولة الأردنية الحديثة جاءت تتويجاً طبيعياً لهذا التراكم التاريخي، لا قطيعة معه، وتعزّزت بالشرعية الهاشمية التي أعادت وصل التاريخ بالجغرافيا، وأسست لنموذج دولة مستقرة في إقليم يعاني من الفوضى والانقسامات. ولهذا فإن استهداف الأردن في الخطاب السياسي لا ينفصل عن استهداف أحد أعمدة الاستقرار القليلة المتبقية في المنطقة.
أما الإنسان الأردني اليوم، فهو الدليل الحيّ على زيف خطاب التشكيك. فشعب يصمد اقتصادياً، ويحمي حدوده، ويبني مؤسساته رغم الضغوط السياسية والإقليمية الهائلة، لا يمكن وصف دولته بالمصطنعة. فالدول التي تُنشأ بلا جذور تسقط عند أول أزمة، بينما أثبت الأردن قدرته على التكيّف والصمود عبر عقود من التحديات.
إن حملات التشكيك، مهما ارتفعت نبرتها، لن تغيّر من حقائق التاريخ والجغرافيا شيئاً، لكنها تكشف بوضوح مأزق مروّجيها. فالأردن لم يكن سؤالاً طارئاً في تاريخ المنطقة، بل حقيقة راسخة فرضها الزمن، وستبقى كذلك مهما تعددت محاولات الإنكار والتزييف....