في المجتمعات المتماسكة لا تُقاس قوة الناس بعدد الخصومات، بل بقدرتهم على إطفاء نارها قبل أن تتحول إلى حريقٍ يهدد الجميع. وبين لحظة الغضب ولحظة الصلح يقف الوجهاء بوصفهم صمّام أمانٍ أخلاقي يحفظ السلم الأهلي ويعيد للعقول رشدها حين تتعثر. فالوجاهة ليست مالًا ولا منصبًا ولا حضورًا شكليًا، بل مسؤولية ثقيلة وكلمة عدل وصوت عقل يعلو فوق ضجيج الانفعال.
لقد شكّلت الجاهات والإصلاحات عبر تاريخنا الاجتماعي نموذجًا في إدارة النزاعات قائمًا على الاحتواء والإنصاف، حيث يدخل الوجيه مجلس الصلح حاملًا ثقة الناس وساعيًا إلى جسر الهوة لا توسيعها. غير أن تحديات العصر، خاصة مع سرعة انتشار الخلاف عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت النزاعات أكثر اتساعًا وأسرع اشتعالًا، الأمر الذي يضاعف مسؤولية الوجهاء في تهدئة الخطاب ومنع الانزلاق نحو الكراهية والتصعيد.
الإصلاح الحقيقي لا ينجح إلا إذا قام على العدالة الواضحة والشفافية، بعيدًا عن المجاملة أو الضغوط الاجتماعية. فالوجيه الذي ينحاز لطرفٍ يفقد ثقة الناس ويضعف دور الإصلاح، بينما الوجاهة الرشيدة هي التي تعيد الحقوق وتمنع تكرار النزاع. كما أن دور الوجهاء يتكامل مع القانون ولا يغني عنه، إذ يهيئون النفوس للصلح ويخففون الاحتقان في إطار يحفظ هيبة الدولة وسيادة النظام.
إن الحفاظ على مكانة الوجهاء الحكماء ضرورة لحماية المجتمع من التفكك، شرط أن تبقى الوجاهة قائمة على النزاهة والحكمة لا على الاستعراض والمصالح. ففي زمن تتزايد فيه الضغوط، تبرز الحاجة إلى صوت العقل الذي يؤمن بأن الصلح شجاعة، وأن السلم الأهلي مسؤولية الجميع.
فالخلاف قدرٌ بشري، لكن استمرار النزاع خيار، والوجهاء هم الذين يجعلون من الحكمة طريقًا أقصر من الخصومة، ومن العفو بابًا أوسع من الثأر.