نحن على أعتاب شهر الخير والرحمة، شهر العطاء والمغفرة، شهر رمضان الذي تتجدد فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، وتلتئم فيه العائلات حول موائد المحبة قبل موائد الطعام.
إنه شهر تتعانق فيه الأرواح قبل الأيادي، وتُستعاد فيه معاني التكافل التي شكّلت عبر التاريخ جوهر المجتمع الأردني الأصيل.
في مختلف محافظات المملكة، تتجلى صور البذل والعطاء مع اقتراب موعد الإفطار، حيث تنتشر المبادرات الشبابية التي تستهدف الصائمين في الطرقات والأحياء.
ولعل ما يلفت الانتباه بشكل خاص ما يقوم به أهالي معان على الطريق الصحراوي، من مبادرات سنوية لإطعام الصائمين العابرين، في مشهد إنساني يعكس معدن الأردنيين الأصيل، ويؤكد أن الخير في هذا الوطن متجذر في أهله جيلاً بعد جيل.
وقبيل أذان المغرب، نشاهد شباباً يقفون على الإشارات الضوئية، يوزعون التمر والماء والعصائر والبسكويت على السائقين، في صورة تختصر معاني الكرم والتطوع وروح المسؤولية المجتمعية. إنها رسائل صامتة لكنها بليغة، تقول إن العطاء ليس فعلاً موسمياً فحسب، بل ثقافة راسخة في وجدان الأردنيين.
غير أن مشهداً آخر يفرض نفسه في هذا الشهر الفضيل، يتمثل في بعض المواقف المؤسفة التي تظهر أحياناً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حين نرى خلافات عائلية تُنشر على الملأ، وأشقاء يتبادلون العتاب والقطيعة في شهر يُفترض أن يكون شهر تسامح وصلة رحم.
فكيف يستقيم أن يُقصى الأخ من الدعوة، أو يُستثنى القريب بحجة خلاف عابر؟ وهل يليق بنا أن نحمل الضغائن في شهر يُنادي بالمغفرة؟
إن الأخ يبقى أخاً، والدم لا يصبح ماءً، والعائلة تظل السند الأول مهما تعاظمت الخلافات.
وشهر رمضان فرصة حقيقية لمراجعة الذات، وترميم العلاقات، ومدّ جسور الصفح قبل أن ينقضي العمر وتبقى الحسرة.
رمضان ليس فقط صياماً عن الطعام والشراب، بل هو صيام عن القطيعة، عن الكراهية، وعن الجفاء.
هو شهر يعيد ترتيب أولوياتنا، ويذكرنا بأن أعظم ما نملكه بعد الإيمان هو العائلة، وأن أجمل ما نتركه خلفنا هو الأثر الطيب.
وفي ظل هذه المبادرات الخيّرة التي تعم أرجاء الوطن، تبقى الرسالة الأهم: لنجعل من رمضان محطة تصالح مع أنفسنا ومع من حولنا، ولنحفظ لهذا الشهر قدسيته بروح المحبة، كما نحفظه بالعبادة والطاعة. ففي وطنٍ يفيض شبابه عطاءً، جديرٌ بنا أن تفيض بيوتنا تسامحاً.