في إنجاز علمي لافت قد يغيّر أساليب مكافحة التصحر، كشف باحثون صينيون عن تقنية متقدمة قادرة على تحويل الرمال الصحراوية المفككة إلى تربة مستقرة وخصبة في فترة تقل عن 12 شهراً، اعتماداً على كائنات دقيقة حية تعمل على إعادة بناء النظام البيئي من جذوره.
ونُشرت تفاصيل هذا العمل في دراسة علمية متخصصة ضمن مجلة Soil Biology and Biochemistry، حيث أوضح الباحثون أن النهج الجديد لا يبدأ بزراعة النباتات كما هو معتاد في مشاريع الاستصلاح، بل يركّز أولاً على إعادة بناء التربة نفسها، بما يهيّئ بيئة أكثر استقراراً تسمح لاحقاً بعودة الغطاء النباتي.
وتتمحور التقنية حول ما يُعرف بـ"القشور البيولوجية للتربة"، وهي طبقات رقيقة تتكوّن طبيعياً من تجمعات ميكروبية على سطح التربة في البيئات الصحراوية، وتعمل هذه القشور كغلاف واقٍ يثبت الرمال ويقلل من تآكلها بفعل الرياح، ما يخلق الأساس الأول لعودة الحياة النباتية.
وفي قلب العملية، يستخدم العلماء السيانوبكتيريا (البكتيريا الزرقاء) المزروعة مخبرياً، والتي يتم رشها مباشرة على الرمال، وتقوم هذه الكائنات الدقيقة بإفراز مواد لزجة تعمل على ربط حبيبات الرمل ببعضها، ما يؤدي إلى تشكيل طبقة سطحية رقيقة لكنها متماسكة وقادرة على مقاومة الانجراف.
ويشبّه تشاو يانغ، نائب رئيس محطة شابوتو البحثية، هذه العملية بعملية خلط الخرسانة، قائلاً إن نجاحها يعتمد على "النسبة المثالية وطريقة التحريك المناسبة"، في إشارة إلى ضرورة الدقة العالية في تطبيق التقنية لضمان استقرار السطح الصحراوي.
وأظهرت تجارب ميدانية أُجريت قرب صحراء تاكلاماكان في إقليم شينجيانغ أن القشرة البيولوجية تبدأ بالتشكل خلال فترة تتراوح بين 10 و16 شهراً، مع قدرة واضحة على الصمود أمام العواصف الرملية الموسمية التي عادة ما تؤدي إلى تآكل الطبقات السطحية غير المستقرة.
كما كشفت بيانات التجارب أن معدل تآكل التربة بفعل الرياح انخفض بأكثر من 90% بعد تشكل القشرة، وهو ما يعكس تحولاً كبيراً في استقرار البيئة السطحية مقارنة بالرمال غير المعالجة.
ومع استمرار تطور هذه الطبقة، تبدأ في التقاط الغبار والجزيئات العضوية، مما يؤدي إلى تراكم مادة عضوية أولية، ومع الوقت، تتهيأ الظروف لظهور كائنات أكثر تعقيداً مثل الأشنات والطحالب، التي تعزز بدورها من تماسك التربة وتزيد من خصوبتها.
وتتميز السيانوبكتيريا بقدرتها على استخدام ضوء الشمس لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مادة عضوية، إضافة إلى قدرتها على تثبيت النيتروجين من الغلاف الجوي، ما يسهم في إثراء التربة بالعناصر الغذائية الأساسية لنمو النباتات، وفق ما تشير إليه دراسات علمية حديثة.
كما توفر القشور البيولوجية ميزة إضافية تتمثل في تحسين احتفاظ التربة بالرطوبة، إذ تساعد بنيتها المسامية ولونها الداكن على تقليل تبخر المياه بعد هطول الأمطار، ما يمنح الشتلات النباتية فرصة أكبر للبقاء خلال المراحل الأولى الحساسة من النمو.
ورغم النتائج الواعدة، حذّر الباحثون من أن التقنية لا تعالج جميع أسباب التصحر، خصوصاً تلك المرتبطة بالنشاط البشري مثل الرعي الجائر.
كما أشاروا إلى أن القشور البيولوجية تظل هشة في مراحلها الأولى، حيث يمكن أن يؤدي المرور البشري أو حركة المركبات أو الحيوانات إلى تدميرها بسهولة قبل اكتمال نضجها.
وأكد الفريق العلمي أيضاً أهمية استخدام سلالات محلية من الكائنات الدقيقة، نظراً لقدرتها الأعلى على التكيف مع الظروف القاسية مثل الحرارة المرتفعة والملوحة والجفاف الطويل، محذرين من أن إدخال سلالات غير محلية قد يؤدي إلى انخفاض فعالية العملية أو فشلها بالكامل.
ويشدد الباحثون في ختام دراستهم على أن نجاح هذه التقنية على نطاق واسع يعتمد على إدارة بيئية دقيقة، تشمل تقليل الضغوط البشرية ومراقبة تطور القشور البيولوجية على المدى الطويل، لضمان استدامة الأراضي المستصلحة وعدم عودتها إلى حالة التصحر مجدداً.