تأخذ الاحتجاجات في فرنسا منعطفاً تصاعدياً ينذر بمزيد من الارتدادات المقلقة على مستويات مختلفة؛ بدءاً من الارتدادات السياسية وحتى الاقتصادية والمجتمعية، وبما يعكس تعقد الأزمة، التي أثارها النظام الجديد لرفع سن التقاعد، المرفوض على نطاق شعبي واسع، وفي ضوء السيناريوهات المفتوحة، التي تعكسها تلك الأزمة.
الاحتجاجات التي بدأت سلمية إلى حد بعيد، منذ بدايتها قبل شهور، تثار مخاوف من أن تشهد تحولات دراماتيكية بعد ذلك، ولا سيما منذ أن استخدمت الحكومة المادة الدستورية 49.3 من دون تصويت للدفع بمشروع القانون المرتبط برفع سن التقاعد إلى 64 عاماً للبرلمان، وفي ضوء تصاعد الغضب وأعمال العنف، التي وقعت الأسبوع الماضي.
وشهدت فرنسا الثلاثاء، موجة جديدة (هي العاشرة من نوعها) من تلك الاحتجاجات، وذلك بعد أسبوع من مسيرات شهدت أعمال عنف غير مسبوقة، منذ سنوات.
«هذه الاحتجاجات تعبر بشكل أو بآخر عن الصوت الرافض لسياسات الرئيس ماكرون»، طبقاً للمحلل السياسي من باريس نزار الجليدي، والذي يحدد في تصريحات خاصة لـ«البيان» أبرز الارتدادات السياسية للأزمة الحالية، والتي يأتي على رأسها «سقوط التوافقية التشاركية، التي عولت عليها الحكومة الفرنسية، برئاسة إليزابيت بورن، منذ بدايتها مع النقابات».
انشطار حزب
ثاني أبرز تلك الارتدادات- في تحليل الجليدي- يتعلق بـ«انشطار حزب المحافظين، والذين ساندوا ماكرون بشكل أو بآخر طمعاً في الحصول على المناصب الحكومية»، إضافة إلى الارتدادات السياسية على معسكر ماكرون في أي حدث سياسي أو انتخابي قادم، حيث إن هذا المعسكر قد «وقع على قرار تقاعده بالموافقة على قانون التقاعد»، وذلك في مقابل مكاسب سياسية لأقصى اليمين واليسار.
ويشير إلى أن الاحتجاجات الحالية في فرنسا تشير إلى اشتداد الصوت العالي للمعارضة، في ظل تعنت حكومي، وفي انتظار رد المجلس الدستوري بشأن القرار الجديد، مردفاً: «تعيش باريس على وهج صراع كبير.. وصوت الشارع سيغير مجرى الأحداث في فرنسا».
وبخلاف الارتدادات السياسية للأزمة الحالية على معسكر ماكرون فإن ثمة ارتدادات أشد خطورة على الواقع المعيشي بالنسبة للفرنسيين، سواء فيما يخص تداعيات الاحتجاجات المتصاعدة حالياً، وكذلك التداعيات المستقبلية المرتبطة برفع سن التقاعد، وهو ما تشير إليه الكاتبة الصحافية من باريس، فابيولا بدوي، في تصريحات خاصة لـ«البيان» أشارت خلالها إلى الموجات التصاعدية للاحتجاجات.
وتهدد تلك الاحتجاجات بشل البلد، ضمن مسارها التصاعدي، وبما يشمل القطاعات الحيوية، التي عرفت تعطلاً كبيراً وآخذاً في التصاعد، خلال المرحلة المقبلة، وبما يهدد كثيراً من المرافق الأساسية.
تجنب الإفلاس
بينما على الجانب الآخر تتمسك الحكومة الفرنسية بموقفها، وترى أن مشروع قانون التقاعد ضروري حتى لا تفلس المنظومة، بينما يعتقد المحتجون من خلال النقابات والمحتجون بأن ثمة طرقاً مختلفة أخرى يمكنها أن تحقق ذلك الهدف المرجو، الذي تتحدث عنه الحكومة.
وتوضح بدوي أن «فرنسا من البلدان الأوروبية، التي تتمتع بأقوى نقابات في القارة، وتحظى النقابات بمكانة خاصة، وهي تعبر بالفعل على القطاع الأكبر من الشعب الفرنسي، وقد وضعت النقابات جدولاً زمنياً للاحتجاجات التصاعدية، التي تصل إلى التوسع في الإضرابات، بدءاً من الإضراب في 30% من القطاعات الحيوية».
مشيرة إلى أن هذا التصعيد ليس فقط من أجل التصدي للقانون الجديد، وإنما المسألة قد صارت متعلقة بعدم التفات الرئيس لمصالح الشعب «ولا نعلم إلى أي مدى يمكن أن يصل الموقف؟».