من النص
إلى التأويل: ندوة أدبية ترصد جماليات السرد عند محمد الصمادي
نيروز
– محمد محسن عبيدات
في فضاءٍ
تتعانق فيه المعرفة بالإبداع، وتلتقي فيه الكلمة الحرة مع الرؤية النقدية، جاءت الندوة
الأدبية التي نظّمتها مكتبة الحسين بن طلال في جامعة اليرموك لتكون احتفاءً نوعيًا
بتجربة قصصية أردنية ناضجة، وتجليًا جديدًا من تجليات الدور الثقافي الذي تضطلع به
الجامعة في رعاية الأدب والفكر، وتسليط الضوء على الأصوات الإبداعية التي تركت بصمتها
في المشهد السردي المحلي والعربي.
تناولت
الندوة تجربة الأديب القاص محمد الصمادي من خلال مجموعته القصصية الكاملة، بوصفها مشروعًا
سرديًا متكاملًا، لا يكتفي برصد التفاصيل اليومية، بل ينفذ إلى جوهر الإنسان وأسئلته
العميقة، وهمومه الفردية والجماعية، بلغة سردية مكثفة، مشحونة بالدلالة، ومسنودة برؤية
جمالية واعية.
وشارك
في الندوة نخبة من الأكاديميين والمبدعين، هم: الدكتورة سحر جادالله من كلية الآداب،
والأديب رائد العمري، والدكتورة بلقيس عثامنة، الذين قدّموا قراءات نقدية معمقة، كشفت
ملامح التجربة القصصية للصمادي، وأضاءت على أبعادها الفنية والإنسانية.
أجمع المتحدثون
على أن تجربة محمد الصمادي القصصية تتسم بوعي فني عالٍ، وقدرة لافتة على تكثيف الحدث،
وتوظيف الرمز، وبناء النص القصصي وفق هندسة سردية دقيقة، توازن بين الإيجاز والدلالة.
كما توقفوا عند حضور المكان والزمان بوصفهما عنصرين فاعلين في تشكيل النص، لا مجرد
إطارين خارجيين، بل مكوّنين أساسيين يسهمان في تعميق المعنى، وبناء التوتر الدرامي.
وأشاروا
إلى أن قصص الصمادي تنحاز للإنسان البسيط، وتلتقط لحظاته الهشة، وأسئلته الصامتة، ومعاناته
اليومية، دون مباشرة أو خطابية، بل عبر سرد موارب، يترك للقارئ مساحة التأويل، ويستفز
وعيه الجمالي والنقدي في آن.
من جانبه،
عبّر الأديب محمد الصمادي عن شكره وتقديره لجامعة اليرموك ومكتبة الحسين بن طلال على
هذه المبادرة الثقافية، مؤكدًا أن الحوار النقدي الجاد يشكّل رافعة أساسية لتطوير التجربة
الإبداعية، ويعزز جسور التواصل بين الكاتب والمؤسسة الأكاديمية، بما ينعكس إيجابًا
على الحركة الأدبية عمومًا.
وفي ختام
الندوة، دار نقاش موسّع بين الحضور والمتحدثين، تخللته مداخلات وأسئلة أغنت محاور الندوة،
وأكدت أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات التي تجمع بين الإبداع والنقد في فضاء معرفي
واحد، وتكرّس مكتبة الحسين بن طلال بوصفها منصة فاعلة للحوار الثقافي والفكري والأدبي.
يُعدّ
محمد الصمادي من الأسماء البارزة في حقل القصة القصيرة الأردنية، حيث قدّم عبر مسيرته
الأدبية عددًا من المجموعات القصصية التي اتسمت بالعمق الإنساني، واللغة المكثفة، والاشتغال
الواعي على بنية النص السردي. شارك في العديد من الفعاليات الثقافية، وكتبت عن تجربته
دراسات نقدية تناولت خصوصية صوته السردي، وقدرته على ملامسة قضايا الإنسان والمجتمع
برؤية فنية ناضجة. وتُعد مجموعته القصصية الكاملة خلاصة مسار إبداعي طويل، يعكس تطور
أدواته الفنية، وثراء تجربته السردية.
هكذا،
جاءت هذه الندوة لتؤكد أن القصة القصيرة ما تزال قادرة على طرح الأسئلة الكبرى، وأن
الجامعات، حين تنفتح على الأدب، تسهم في صناعة وعي ثقافي متجدد. كما شكّلت الندوة تحية
مستحقة لتجربة قصصية أردنية أثبتت حضورها، ورسخت مكانتها في ذاكرة السرد، وأعادت التأكيد
على أن الإبداع الحقيقي يولد من الحوار، ويزدهر في فضاءات النقد والمعرفة.